‏إظهار الرسائل ذات التسميات وحوش. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات وحوش. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 5 مايو 2026

رأس الحصان

 


استيقظت وأنا غارق في عرقي مرة أخرى. أيقظني الضجيج مجددا. هذا الجرس اللعين. لا أصدق أنه وقت العشاء. ذهب أحد الحراس إلى باب زنزانتي وفتحه. «وقت العشاء أيها الوغد المجنون. إنه المفضل لديك».

بلعت ريقي. أدرك من لهجته أنه لا بد أن يكون الطبق الفظيع المكون من البطاطس مع لحم البقر المشوي. عادةً ما أتحرق لهذه الوجبة، لكن ليس هنا، فهنا طعمها مثل ورق الصنفرة والتراب. دخل الحارس إلى زنزانتي، وأمسك بمؤخرة السترة التي تقيّدني، وجرّني إلى قاعة الطعام. سأضطر إلى تحمل ذلك، فهذا ليس أسوأ ما يقلقني.

إذا لم تصلكم الفكرة حتى الآن، فأنا أقضي الآن أيامي داخل مصح عقلي. لكنني هنا بسبب ظروف ظالمة. أنا لم أقتل عائلتي. بل رأس الحصان هو من فعلها.

هذا هو اللقب الذي أطلقه عليه.

تناولتُ طعامي وجلست مع باقي الرفاق. خلع الحارس ستراتنا جميعا. كنت أول من تكلم كالعادة. «هل سمعتم تلك الأصوات في الليل؟»

«هل تقصد ثرثرة المرضى؟ نعم، أنا واثق أننا سمعناها جميعا. حتى أن بعضنا ساهم فيها، أليس كذلك يا إريك؟» كان ذلك جيرالد. إنه يقبع هنا لأنه اغتصب وقتل عشر مومسات. ادعى الجنون أثناء المحاكمة. وغد مريض.

حاولتُ تجاهله عندما ضرب إريك بمرفقه في خصره، ما جعل الأخير يصرخ. طعنتُ قطعة من اللحم بالشوكة، ووضعتها في فمي. جفلتُ من طعمها المريع. «كلا، ليس هذا، بل الأصوات الأخرى، تلك التي يصدرها...» أعتقد أنني سمعتُ جيرالد يقسم بصوت خافت أنه يعرف أين سيسير الكلام. «سمعتها مرة أخرى، أقسم، أنفاسه في الممر...»

ضرب جيرالد بقبضته على الطاولة. «توقف عن هذا الكلام! أنت مجنون مثلنا جميعا. انظر حولك لترى أين أنت!» كنت على استعداد للرد بإهانة لفظية، لكنني عدلت عن ذلك. لا جدوى من هذا، إذ بإمكانه ضربي بسهولة، كما أنني تساءلت في أعماقي عما إذا كان محقا. أنا أعيش هنا منذ فترة، ماذا لو كنت مجنونًا حقًا؟ كلا، لا يجب أن أفكر بهذه الطريقة، رأس الحصان حقيقي وهو قتل عائلتي، هذا حقيقي. بدأت أستمع إلى الهمسات من حولي، وأحاديث العقول المحطمة، لكن لم يمض وقت قبل أن يصرخ جيرالد. «لكن مهلاً، إذا كان الإيمان بوحشك الخيالي يساعدك على النوم ليلًا...» نظرت إليه ورددت عليه بغضب. «كلا إنه لا يساعد.. أنا نادراً ما أنام». ضحك جيرالد. يا له من أحمق.

أنا لا ألومه على عدم تصديقي، لكن ليس عليه أن يسخر من الموقف.

«الآن اصمت وتناول طعامك. وتوقف عن سرد هذه القصص، فقد تخيف الأطفال الآخرين».

«توقف عن نذالتك، لقد كان هذا حقيقيًا». تنحى عدد من الآخرين جانبا، فقد كانوا يكرهون هذه المشاحنات. مظهرنا يبدو سيئًا، حتى المجانين ظنوا أننا مجانين. حتى أننا كدنا أنا وجيرالد أن نقتل بعضنا ذات مرة، لكن فترة في الحبس الانفرادي أصلحت الأمور بيننا.

الأحد، 18 يناير 2026

خلف حد الأشجار

 


عندما مات جدي، فكرت أنه ساعته حانت أخيرا. لا تفهموني خطأ، كانت مأساة، لكنها متوقعة. كان عجوزًا وذهب نصف عقله، ويعيش وحيدًا في منزل يبعد نحو ثلاثين ميلاً عن أقرب مدينة. عندما ورد الخبر بأنه عُثِر عليه ميتًا في منزله، شعرت بالحزن ولكن لم أتفاجأ.

كنتُ قد نلت لتوي شهادة في الفنون الحرة من جامعة أوكلاهوما، وفكرت لفترة أن أنتقل لمنزله القديم. لم يرده والداي ولم يرغبا في تأجيره، وكان أفضل من أي منزل في نطاق ميزانيتي لسنوات قادمة. أخيرًا، في أبريل من هذا العام، ابتلعت مخاوفي وانتقلت إلى البيت. قرر أخي أن يأتي معي، لأنه انفصل لتوه مع صديقته التي عاش معها، وكان بحاجة إلى مكان يقيم فيه لبضعة أشهر حتى يقف على قدميه. كان المنزل القديم كبيرًا ولم يكن من الصواب أن أرفض.

كان جدي يملك الكثير من المال قبل أن يضيع عقله. لم أره قط خلال نشأتي، إذ كان يعيش على بعد مئات الأميال إلى الجنوب منا في شرق تكساس. ما زلت أتذكر الهدايا التي اشتراها لنا في الكريسماس وأعياد ميلادنا وغيرها. كانت أفضل مما يستطيع آباؤنا شراءه. كما اشترك معي بالمال عندما اشتريت سيارتي الأولى، ووافق على دفع نصف ثمنها طالما لم تكن سيارة يابانية، أو "قدر أرز"، حسب وصفه.

لن يدعي أحد أبدًا أنه كان رجلاً مثاليًا، أو أننا لم نشهد أي خلافات، لكنه ساعدني على شراء سيارة فورد بيكب جديدة، لذا كان واضحًا أنه كان يهتم بنا. كان هذا المنزل هدية عيد ميلاد أخيرة منه، هذا ما قلته لنفسي في يوم انتقالي إلى هناك قبل بضعة أشهر. لم يكن المكان بحالة جيدة، واحتاج الكثير من الصيانة. تمت إزالة غرفة النوم في الطابق العلوي من قبل شرطة سيلفر سبرينغز لأسباب لم أرغب في التفكير فيها، ولكن بخلاف ذلك، كان المكان جيدا.

في ليلتنا الأولى، قمت أنا وبين بإدخال مراتبنا والتلفاز وجهاز إكس بوكس القديم خاصتي. سهرنا لوقت متأخر من تلك الليلة، لأن أيًا منا لم يرغب في النوم. انتهينا من لعبة السباق، التي كانت الوحيدة التي اتفقنا عليها، جلسنا وتحدثنا لبعض الوقت عن مسار حياتنا منذ أن ذهابنا للجامعة. الموضوع الوحيد الذي لم نطرحه أبدًا هو سبب وفاة جدنا.

الثلاثاء، 22 يوليو 2025

هل تسمحين لي يا أمي؟

 

"أشكرك على حضورك بهذه السرعة"، قالت المرأة وهي تفتح الباب

"لا مشكلة يا سيدتي، فهذا عملي. ماذا يسعني أن أفعل لكِ؟" أجبتُها بابتسامة.

"هناك مشكلتي في مغسلتي. حاولت إصلاحها بنفسي ولم أنجح. ادخل وسأريك الطريق"، وأشارت بيدها لأتبعها. ابتسمتُ لها وأنا أستعد لأن أؤدي عملي كالمعتاد. قادتني إلى غرفة المعيشة. ثم أضافت "ابني نائم في غرفته، هلا حافظت على هدوئك؟"

"بالتأكيد، سأفعل ما بوسعي". لاحظت أنها فقدت إصبعين في إحدى يديها. لم أرغب أن أكون وقحا فلم أذكر الأمر.

"أقدّرُ لك هذا. هل ترغب بشراب بارد؟ ربما صودا أو ماء".

"الماء يناسبني. شكرا".

"حسنا، سأعود إليك. اجلس وارتح". انطلقَت نحو المطبخ ولكنها كانت تتحدث في الممر. لم يسعني إلا أن ألاحظ مدى شحوبها وهزالها. تلك المرأة المسكينة لن تملك فرصة للنجاة إذا دخل أي لص أو سفاح إلى بيتها. لاحظتُ أيضا أن بيتها جميل.

أدرتُ رأسي نحو الممر وتنفستُ بعمق. لاحظتُ وجود رائحة غريبة، أيا كانت فلم تعجبني. لاحظتُ أيضا أن السيدة ربما حاولت إخفاءها بكمية كبيرة من معطر الجو.

كنت أستعد لأنهض ثم أتت السيدة مع كوب من الماء. وضعَت الكوب برفق على طاولة زجاجية، ورأيتُ وجود كدمة صغيرة على ساعدها. سألتها "هل ذراعكِ بخير يا سيدتي؟ لاحظتٌ وجودـ..."

"أنا بخير"، قاطعتني وضمّت ذراعها إلى صدرها، "هل تريد أن تفحص المغسلة الآن؟" تبعتُها إلى المطبخ. مشينا قرب الممر وسمعت صوتا يشبه الحك من الغرفة الأولى على اليسار. كما رأيت ظلّين عند أسفل الباب.

ثم أتى صوت طفل من خلف الباب "أمي، هل يمكنني أخذه؟"

توقفت المرأة بنظرة دهشة حاولت تخفيها بابتسامة. ردّت عليه "عد إلى النوم يا عزيزي" بنبرة باردة لم تتوافق مع الابتسامة على وجهها.

ظل ابنها (كما أظن) يترجاها "هل يمكنني أخذه يا أمي؟ أعدكِ أنني سأكون طيّبا هذه المرة. أرجوك".

قلتُ لها "أظن أن ابنكِ بحاجة لشيء ما يا سيدتي".

الثلاثاء، 22 أبريل 2025

الراكون

 

أخبرني والدي ذات مرة أن أسهل طريقة لصيد الراكون هي وضع شيء لامع في علبة برينجلز. لم أفهمه في البداية، كيف ينجح هذا؟ بصراحة كنت صغيرة على فهم هذا. لكنه أوضح لي أن الراكون ينجذب للأشياء اللامعة. عندما يرى جسمًا لامعًا، فإن رد فعله الفوري هو فحصه. إذا كان الجسم موجودًا في علبة برينجلز، فسيضع الراكون مخالبه في العلبة الطويلة ويمسك بالشيء. لكن أقدامه تعلق عندما يحاول سحب الجسم من العلبة. لن ينجح بإخراج كفه والشيء معا، وهو ليس ذكيًا ليكتشف طريقة أخرى، وهكذا يظل عالقًا. يمكنه فقط ترك الشيء وتحرير كفه، لكن الراكون يبقى منجذبا ولا يستطيع تركه. سيبقى هناك لساعات أو حتى أيام. في النهاية يأتي صياد ويقتله. والأمر المحير أكثر هو أن الراكون لن يتركه. حتى إذا كانت حياته على المحك.

كانت هذه معلومة غريبة، إلا أنها علمتني درسًا في التعلق. وكنت أنا الأولى بتعلمه.

كان الزمن فصل الصيف بين الصف التاسع والعاشر. كان والدي ثملا كالمعتاد وكانت أمي غاضبة. رسبت في مادة العلوم، وكنت أكرهها دائمًا، ورفضت والدتي إرسالي إلى المدرسة الصيفية لأنها تكلف الكثير. ظلت تؤنبني لساعة كاملة قبل أن أخرج من الباب إلى الحقل خلف منزلنا.

الجمعة، 8 نوفمبر 2024

الأخطاء

 

لقد ارتكبتَ العديد من الأخطاء. لكنك ظللتَ تفلت من العواقب. أتعرف ذاك الوميض الذي تلمحه بطرف عينك، ثم تدير رأسك ولا تجد شيئا؟ كانت تلك إحدى المرات التي أخطأتَ فيها.

هذا الشعور المخيف والمقلق بأن أحدا يراقَبك، وأن هناك شيئًا مظلمًا وشريرًا قريب منك ويمكنه رؤيتك؟ هذا التحذير نتاج غريزة عمرها عشرات الآلاف من السنين تنبئك أنك على وشك ارتكاب خطأ.

وتلك الكدمة غير المفسرة، هذا الجرح الجديد الذي لا تتذكره، تلك الأوقات التي تستيقظ فيها وتتعرق وتصرخ وتلهث وكأنك ركضت في ماراثون ولا تتذكر لماذا؟ هذه هي الأوقات التي يوشكون فيها على النيل منك.

الأحد، 25 أغسطس 2024

لا تفتحي الباب

 

كانت هناك فتاة تدرس في العام الأول من الجامعة. عاشت لوحدها في شقة صغيرة قرب جامعتها. ذات ليلة، كانت تغسل الأطباق بعد العشاء، ثم رن هاتفها فجأة. نظرت إلى الرقم وأدركت أن المتصل هو صديقها.

الاثنين، 12 فبراير 2024

داخل الظلام

 


بدأ كل شيء بعد انتقالي إلى منزلي الجديد. أعلم أنها فكرة مستهلكة، ولكن هذا ما حدث. لم أختبر أبدًا أي خوارق طبيعية من قبل، ولم أتوقع أبدًا حدوث أي شيء غريب.

استأجرته بسعر رخيص. لم أستغرب ذلك لأنه قديم وليس في حي راقي، وبهذا رأيت أنها صفقة رابحة. نقلتُ كل أشيائي إليه، وسارت حياتي بخير لفترة.

لا أذكر كيف بدأ الأمر بالضبط لأنه كان بسيطا جدًا وقتها. أترك المصباح مضاءً في المطبخ أو الحمام وأعود لأجده مطفأ. فكرت أنني أنسي إطفاءه. بعد فترة، بدأت أستغرب ما يحدث، وتركت بعض المصابيح مضاءة عن عمد. في بعض الأحيان، لا يحدث شيء. وفي أحيان أخرى، أعود فأجدها مطفأة.

اكتشفتُ عندها أن هناك شيئًا مريبا. لم أكن خائفًا، بل محتارا فحسب. فكرت أن هناك خللا في الأجهزة، فقمت بترك مصابيح أخرى مضاءة (وهو ما أهلك فاتورة الكهرباء) حتى ألاحظ أي علامة على انطفائها بشكل عشوائي. وهنا بدأت الأمور تأخذ منعطفًا آخر.

أول مرة أتذكر فيها حدوث شيء مجنون هي عندما تركت مصابيح المطبخ وغرفة المعيشة مضاءة وذهبت لأنام. استيقظت على صوت زئير خافت قادم من المطبخ. أتذكر أنني استيقظت وفكرت أن حيوانا دخل منزلي. نظرت عبر الممر باتجاه غرفة المعيشة (وهي متصلة بالمطبخ) لأرى المكان مظلما. قام أحد ما بإطفاء نور المطبخ. سمعت زئيرا خافتا آخر، وهذه المرة أتى من غرفة المعيشة. كدت أصرخ عندما رأيت شيئًا يجري بسرعة خاطفة داخل غرفة المعيشة ثم أطفأ مصباحها. لم أستطع تحديد ماهيته. بدا كظل أسود أو ما شابه. لم يكن هذا مهمًا. خرجتُ من سريري وأشعلت مصباح غرفة النوم، متوقعًا وجود شيء فيها وأنه يريد الانقضاض عليّ.

الثلاثاء، 24 أكتوبر 2023

الأنوار

اعتدت في طفولتي أن أنام في سرير أمي بسبب الكوابيس راودتني. لطالما وجدت السلام تحت أغطية سرير أمي لكنني أدرك الآن أن الراحة الحقيقية تأتي من الأنوار. بالكاد أتذكرها، لكني دائما كنت أرى زوجا من الأنوار في مكان ما بالقرب من سقف غرفة أمي. لم أفكر مليا بشأنها، على الأقل لم تراودني أفكار سيئة عنها. كانت مريحة وهادئة ودافئة. بدأت أعتمد على هذه الأنوار، لدرجة أنه أحس بالضيق ولا أرتاح في نومي عندما لا أراها. لم أتحقق من أمر تلك الأنوار، وربما لو فعلت لما كنت في الوضع الآن.

الأحد، 20 أغسطس 2023

إكبار بيغلشتاين

 


كنت أخاف الظلام وأنا صغير. ما.زلت أخشاه، لكن عندما كنت في السادسة، لم أقدر على نوم الليل دون أترجّى من أحد والديّ أن يبحث تحت سريري أو داخل خزانتي عن أي وحش قد يخرج ويأكلني. حتى عندما أنام والمصباح مضاء، أرى ظلالا تتحرّك في زوايا الغرفة، أو أرى وجوها غريبة تنظر إليّ من نافذة غرفتي. فعل والداي ما بوسعهما لتهدئة روعي وإقناعي أن هذا ليس سوى كابوس أو خيالا في الخارج، لكن عقلي الصغير كان مقتنعا أن أشياء سيئة ستحصل لي حالما أنام. وفي أغلب الأحيان أختفي تحت البطانية حتى ينال الإنهاك مني وأنام، لكن بين الحين والآخر يصيبني الهلع وأصرخ وأهرب إلى غرفة والديّ، وأوقظ أخي وأختي بصراخي. لم أهنأ بعدها بنومي لليلة كاملة.

في النهاية، لم يحتمل والداي من الأمر أكثر، ولكن التفاهم مع طفل في السادسة بالعقل والمنطق لم يكن سهلا، فاتجهوا للحيلة.

أتت أمي بفكرة، وهي صنع صديق من القماش يرافقني أثناء نومي.

جمعت عدة قطع من النسيج وخاطتها لتصنع ما سمّته السيد "إكبار بيغلشتاين". كان إكبار وحشا من الجوارب كما وصفته أمي، وسيحميني خلال نومي ويخيف الوحوش الأخرى. كان مخيفا بعض الشيء، وما زلت متعجبا كيف فكّرت أمي بصنع شيء غريب ومزعج كهذا. بدا وكأن الدكتور فرانكشتاين صنع عفريتا صغيرا من القماش، وكانت عيناه عبارة عن أزرار بيضاء كبيرة وآذان متدلية. صنعت ذراعه ورجلاه الصغيرتين من جوارب أختي المخططة بالأسود والأبيض، وكان نصف وجهه أخضرا وصنع من أحد جوارب أخي الرياضية الطويلة. كان رأسه منتفخا، وخاطت أمي قطعة من النسيج الأبيض بشكل متعرّج لتشكل ابتسامة تظهر فيها أسنانه الحادة. 

الاثنين، 10 يوليو 2023

وعاء القطة

 

تستيقظ في منتصف الليل. قطتك تنام مرتاحة وراء ركبتيك. ترقد تحت البطانية التي تمنح الدفء لجسدك المنهك. تتنهّد براحة. تقرّر أن تعود مجددا للنوم اللذيذ، ثم يفاجئك فحيح قطتك التي تهرب من سريرك وتختفي وراء الستائر.

لم تتصرف القطة بهذه الغرابة من قبل. تنظر حولك في الغرفة بحثا عما أخافها ولكنك لا تجد أي شيء خارج عن المألوف. تبقى يقظا لتسمع ما هو مريب في الغرفة. تسمع صوت قطتك وهي تشرب الماء من وعائها في الخارج، وكانت تصدر صوت الشرشفة المقرف الذي يزعجك دائما. ترتاح لأن الأمور بخير، وتستلقي مجددا وتسحب البطانية إلى ذقنك.

ولكن قبل أن تغمض عينيك، ترى ظل قطتك وهي تختبئ تحت مكتبك وشعرها واقف. تشهق فزعا. إذا لم تكن قطتك هي التي تشرب الماء فمن أين يأتي هذا الصوت؟

الخميس، 16 يونيو 2022

الوجه الشاحب

 

يا إلهي، أريد أن أخرج هذا من صدري. أحتاج أن تخرج هذه المعرفة من رأسي.

أنا الآن مسكون من قبل كائن، إن كانت هذه الكلمة الصحيحة. شيء مروع. سأسميه فقط الوجه الشاحب.

أتذكر المرة الأولى التي رأيته فيها. كنت بعمر الثانية عشرة، أقضي حاجتي في حمام الفندق الذي أقمت فيه مع عائلتي. لاحظت وميضًا بطرف عيني، ولكني تجاهلته لأنه شيء كثر حدوثه مؤخرًا. ذهبت لأغسل يدي، ورأيته عندما كنت على وشك فتح الصنبور. رأيت انعكاسه في المرآة، ويقف على بعد قدم مني.

مخلوق شبيه بالبشر، يبلغ طوله حوالي خمسة أقدام ونصف، عاري تمامًا ويغطيه جلد دهني. أصابعه طويلة وعظمية. بدا نحيفا وكأنه لم يأكل أبدًا؛ كانت أضلاع صدره بارزة، وظهر كالمريض جدا تحت أنوار مصابيح النيون. لم يكن يتنفس.

لم يكن شكله ما أخافني، بل وجهه. رأس بيضاوي أملس بدا كبيرًا وثقيلًا على رقبته الهزيلة، وله ثقبان أسودان عميقين مكان العيون. حدّق بي. لم يتحرك، ولا حتى عضلة واحدة. لقد وقف جامدا مكانه، وعيونه السوداء تخترقني.

الخميس، 2 يونيو 2022

لا تدع الرجل البارد يدخل

 

راودني حلم الليلة الماضية. من النوع الذي يظهر لك حقيقيًا حتى تستيقظ وتدرك أنك تحلم.

رأيت به أشياء عجيبة، لكن لم يخطر ببالي أبدًا أنها قد تحدث. وحتى الآن لن أقول أنها لم تحدث. لست روحانيًا ولا أفهم هذه الأشياء حقا. أشعر وكأنني كنت في مكان غريب ثم عدت، وأعلم أن شيئًا حدث بالفعل عندما استيقظت.

راودني إحساس غريب عندما خلدت للنوم الليلة الماضية. كلنا نحسّ أحيانا أن أحدا ما يراقبنا، لكن إحساسي تجاوز هذا. شعرت وكأن شخصًا كان معي. المهم أنني استسلمت للنوم في النهاية.

لا أتذكر بداية الحلم. أول ما أتذكره هو أنني أمشي في منزلي. ثم خرجت نحو الطريق. اختفت كل منازل الجيران. كنت على طريق طويل وخالٍ ولم أجد أحدا سواي. لا أتذكر ما كنت أفعله في منزلي قبل هذا. أتذكر فقط إحساسي برغبة قوية في المشي.

لم أشعر بالقلق وأنا أسير في الطريق. كان الجو باردًا ومظلمًا وكنت ضائعاً، لكني لم أكن خائفًا.

لا أعرف كم مضى من الوقت وأنا على هذا الطريق. شعرت أنه زمن طويل، وكأن أياما مرّت عليّ، لكنني لم أشعر بالتعب أبدًا وواصلت مسيري.

تغيّر الطريق بعد فترة. كان مستقيمًا ولا ملامح له، لكنني في النهاية وصلت إلى منعطف ثم مفترق طرق. عندما وصلت إلى المفترق، لم أعد وحيدا. نادى عليّ صوت مألوف من جانب الطريق.

الأحد، 31 أكتوبر 2021

عملاق أنتيغوا

 


كنت أمارس الغطس لفترة من الزمن قبل أن أتوقف عنها. كنت أعشق هذه الهواية، وكانت عندي رخصة وكل المعدات. كان المنظر جميلا في الأسفل. كنت أرى الرمل المزخرف، والماء يجري فوقي كأنه سحاب أزرق، ووميض نور الشمس والأسماك ذات الألوان البراقة. نلت حصتي من متعة استكشاف حطام السفن والكهوف، لكن أفضل تجربة هي الغوص إلى الأعماق، ورؤية مخلوقات أعماق البحر وهي تبحث عن غذائها.

هذه قصة آخر رحلة لي. كنت أغوص قرب جزيرة أنتيغوا حوالي أربعين قدما (12 م) تحت الماء. كان معي خزانان لذا أمكنني البقاء لعدّة ساعات. انحدر الجرف الرملي يساري إلى الصخر والمرجان. لم أرى الكثير ذاك اليوم وبدأت أصاب الملل، لكن لاحظت وجود أخطبوط كبير. كان من النوع الذي يعيش في عمق البحر، ولا بد أنه انجرف إلى السطح بما أنها لا تصعد إلى هنا. بدا بطيئا ولم يحدث ردة فعل عندما سبحت فوقه.

إذا اقتربت من أخطبوط فإنه سيهرب خلال ثواني، وقد يغيّر لونه ليختبئ وسط بيئته. قد لا تفعل كل الأنواع هذا، ولكنها بارعة في الاختفاء. لذا فإن رؤية أخطبوط من عمق البحر عن قرب هو فرصة نادرة. كان طول جذعه نحو قدم من التاج إلى المنقار ولونه أخضر داكن. كانت لوامسه ملتفة حول جسده. بدت عيونه كحلقات ذهبية حول بؤبؤ أسود ضيّق. بدا لي كأنه يعاني صعوبة في الحركة وبدا شبه ميت.

قرّرت أن أقترب منه. كانت هناك بعض أسماك السريولا صفراء الذيل تسبح قربي، فاصطدت واحدة بسكيني واقتربت من الأخطبوط بحذر وعرضتها عليه. دفعتها أمامي وتركتها تنساب نحوه. مدّ الشيء ذراعه بتكاسل نحو السمكة، ثم جلبها إلى منقاره والتهمها. اقتربت منه وأنا أحاول أن أجعله يعتاد وجودي.

بعد نصف ساعة أو نحوه، أصبح أكثر حيوية وتعوّد على رفقتي. قَبِل هديتي وبدأ يلعب معي، فكان يندفع مبتعدا ثم يعود. كنت أحمل عصا لأفحص بها الحفر والطين، ففكرت أن أعلّمه لعبة جلب العصا كالكلب. لوّحتها أمامه حتى جذبت انتباهه، وبعد ذلك رميتها إلى جانبه. لم تذهب العصا لمسافة بعيدة، ولكن الأخطبوط لحقها وأمسكها بلوامسه. لم يعدها إلي، فسبحت نحوه. قام بتلويح العصا أمامي ثم رماها إلى جانبي. كان يقلّدني!

الاثنين، 4 أكتوبر 2021

الهدوء

لم أر المحيط حتى بلغت التاسعة عشرة. كنت فتى خارجا من القطار ومتجها من أماريلو إلى سان دييغو. ملأني منظره بشيء من الخوف، بكل ما فيه من ماء وأمواج قوية. سبق أن رأيت البحيرات الكبيرة، لكن هذا لم يشبه أي منها. لا أعتقد أن بإمكاني وصف المرة الأولى.

يمكنكم تخيل حالتي خلال الأسابيع التالية عندما أعطوني بندقية ووضعوني على متن قارب. قد يكون أصعب ما واجهته هو دوار البحر الذي جعلني أخرج كل ما في جوفي. اختفت الأرض وحلت محلها الأمواج المتلاطمة، وفكرت أن هذه الرهبة لا تفوقها إلا أهوال الحرب.

شعرت بشيء من الراحة عندما رأيت تلك الجزيرة. نقلونا إلى قارب أصغر في منتصف الليل مع حقائب وبنادق. انطلقنا إليها بعد تلقينا الأوامر بذلك. جمعنا الملازمون في فصائلنا وأخبرونا أن الجزيرة كانت ضائعة.

الأحد، 4 يوليو 2021

واحد آخر لليتيم

 


هناك ملجأ أيتام في قرية صغيرة في روسيا، ويعيش به ولد صغير شعره أسود ويلبس ثيابا ممزقة.

لا أحد يعرف عنه شيئا. هذا الطفل يجلس على سريره منذ عشر سنوات ولا يتحرك. حتى أنه لا يطرف عينه، بل لا يأكل أو ينام. والأغرب من هذا أنه لا يكبر أبدا، بل يبقى شكله بعمر السابعة على الدوام. الشيء الوحيد الذي يثبت أنه حي هو حركة صدره وهو يتنفس، كما أنه لا يرفع بصره عن أي فرد يدخل الغرفة.

أتى طبيب نفساني في أحد الأيام ليفحص الفتى، ثم دخل الغرفة وأقفلوا عليه الباب.

الخميس، 27 مايو 2021

الدخيل

 

الدخيل هو خيال على شكل قط سيامي. يفوق ارتفاعه المترين في وضع الجلوس. له عينان كبيرتان ومائلتان، وتشعان بلون أخضر لامع، وليس بهما بؤبؤ. عيناه تطرفان في بعض الأحيان. وبخلاف العينين، فلا يملك ملامح أخرى واضحة في وجهه أو جسمه.

في كل مرة تدخل منزلك بعد حلول الظلام، فإن الدخيل يراقبك دائمًا. يجلس الدخيل على بعد حوالي ثلاثة أمتار منك، ويبقى ساكنا ولكنه لا يحاول إخفاء وجوده. عندما يكون في الخارج، لا يراه إلا شخص واحد في كل مرة. أما إذا كان في نطاق بصر شخصين، فإن أول شخص يراه سيكون قادرا على رؤيته بينما يبقى خفيا عن الآخر.

لا يُصدر الدخيل أي ضوضاء من تلقاء نفسه. المرة الوحيدة التي يصدر فيها صوتا هي عندما يبسط مخالبه على شجرة أو على خشب منزلك. إذا اقتربت منه فسيهرب بسرعة شديدة وهو يركل التراب والصخور. يمكن سماع أصوات الرياح من حركات الدخيل وكذلك الحطام المتطاير من تحت أقدام الدخيل. سيحدث نفس الشيء إذا رميت عليه شيئا أو أطلقت عيارًا ناريًا. بمجرد أن تعود إلى الباب وتدخل مفتاحك، ستجد أن الدخيل قد عاد إلى موقعه السابق بهدوء ويواصل مراقبتك.

الخميس، 28 فبراير 2019

أبو فم واسع


خلال سنوات طفولتي كانت عائلتي مثل قطرة ماء في نهر واسع، لا تبقى في مكان واحد لفترة طويلة. استقرينا في ولاية رود آيلاند عندما كنت في الثامنة، وهناك بقينا حتى ذهبت إلى الجامعة في كولورادو. معظم ذكرياتي في رود آيلاند، ولكن هناك شذرات من الذكريات في عقلي تعود إلى مختلف المنازل التي عشنا فيها عندما كنت طفلا صغيرا.

معظم هذه الذكريات غير واضحة – أطارد صبيا آخر في فناء منزل في كارولينا الشمالية، وأحاول بناء طوف ليطفو على الغدير وراء شقة استأجرتاها في بنسلفانيا، وغيرها من الذكريات. ولكن هناك ذكرى لا تزال واضحة في عقلي كالزجاج، كما لو أنها حدثت بالأمس فقط. لطالما تساءلت عما إذا كانت هذه الذكرى من نتاج حلم أتى من جراء الحمى الطويلة التي تعرضت لها ذاك الربيع، ولكن أعلم في أعماق قلبي أنها حقيقية.

السبت، 17 نوفمبر 2018

الشيء الذي يسكن الحقول


مرّت أسابيع قليلة منذ أن بدأت رزم القشّ الاسطوانية بالزحف بعيدا عن البيت. أستيقظ كل صباح لأجد أن كل منها تحرّك عشرات الأمتار من مكانها السابق. افترضت أنّه مجرد شخص يشعر بالملل وقرر أن يدبّر لي مقلبًا، لذلك تجاهلته.

مع ذلك فقد بدأت تلك الرزم بالاقتراب من حدود المزرعة خلال بضعة أيام. مللت من هذه اللعبة وقررت إعادة الرزم إلى مكانها. تطلّب الأمر مني ساعة لأعيدها لمكانها الأصلي قرب البيت، وكنت على استعداد لأدقّ عنق الوغد الذي لعب هذا المقلب معي.

في الصباح التالي، وجدت أن خيولي جميعها قُطعت رؤوسها بطريقة بشعة. كانت الرائحة هي ما أيقظني. كل منها واقع داخل حظيرته. لم أجد الرؤوس في أي مكان. قضيت بقيّة اليوم وأنا أنظّف الفوضى وأدفن الجثث. وعندما انتهيت، وجدت أن رزم القشّ كلّها عادت إلى مواقعها السابقة من يوم أمس مبعثرة في أطراف الحقل. وهذه المرة تركتها مكانها.

في تلك الليلة، جلست على السقيفة وبندقيّتي في يدي وقدر القهوة على الطاولة بجانبي. جلست لساعات وأنا أمدّ بصري إلى الحقول علّني ألمح ما كان يحرّك رزم القشّ. كنت على وشك النوم، ولكني سمعت ضجيجا وخشخشة عند الأشجار في الغابة القريبة. قررت أن أمسك بهذا الوغد. تحسّست بندقيتي وتململت في مقعدي وأنا أنتظر في قلق حتى يقع ذاك الشخص في كميني. ثم اقترب بما يكفي لأرى خياله في الظلام، وعندها تجمّدت من الخوف. كان الشيء يتسلّل من الغابة القريبة إلى حقلي ولم يبد أنه لاحظ وجودي وأنا جالس هنا.

السبت، 13 أكتوبر 2018

لعبة منتصف الليل

لعبة منتصف الليل هي طقس وثني قديم، وكان يستخدم كعقاب لمن يكسرون قواعد ذاك الدين الوثني وقوانينه.

رغم أن الهدف منه هو إخافة من يعصون أوامر الآلهة، فهناك احتمال كبير أن يلقى من يلعب هذه اللعبة حتفه.

كما أن هناك احتمالا أكبر أن تخلّف اللعبة أثرا نفسيا دائما. أنصح الجميع ألا يلعبوا لعبة منتصف الليل.

بأية حال، فمن يريد البحث عن الإثارة ودفق الأدرينالين، أو من يخوضون في الطقوس الغامضة والمنسية، فهذه هي خطوات اللعبة. على مسؤوليتكم.

الأحد، 30 سبتمبر 2018

المقتنع

مرّ أسبوعان منذ أن بدأ كل شيء.

بدأ الأمر بحادث ناقلة نفط. سمعنا الأمر في جميع محطات الأخبار. اعتقد الجميع أنه كان مجرد خبر تسرب نفطي آخر. كان هناك الكثير من المتطوعين – كثير من الناس الذين أرادوا مساعدة الحيوانات والفقراء. الكثير من الضحايا.

في غضون ساعات من وقوع الحادث، بدأ الأمر بالحدوث. جنّ جنون الحيوانات. كانت تخمش وتعضّ المتطوعين. وقالوا أن هذا سببه ما كان في تلك الناقلة.

كان عمال الإنقاذ يحاولون إخراج الطاقم من السفينة. كانوا يسمعون أصوات الصراخ في الداخل. أشخاص يصرخون ويطلبون منهم فتح الأبواب. ولكن ما إن قاموا بخلع باب الخروج حتى فُتحت على الجميع أبواب الجحيم.