‏إظهار الرسائل ذات التسميات جنون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جنون. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 21 سبتمبر 2026

أمنية ذكية


الجو مظلم وكئيب. السحب الماطرة تتحرك في كل اتجاه، والماء يقطر من أسطح المنازل وناطحات السحاب. كان المطر يهطل بوتيرة ثابتة حتى تكاد تحس أن له فعل المنوم. وهذا خطير في هذه المدينة حيث يسهل أن تؤخذ على حين غرّة.

اقترب مني رجل ذو قلنسوة في منتصف الليل بينما كنت عائداً لمنزلي من اجتماع عمل متأخر. ألقى عليّ بسؤال له إجابات لا حصر لها ولكن دائمًا ما تكون النتيجة ثابتة:

«سأمنحك أمنية واحدة».

ضحكت بيني وبين نفسي. سواء كان مجنونًا أم لا، فأنا أعرف كيف تسير هذه القصص: تتمنى أمنية، فتتحقق بطريقة مرعبة، ثم تموت. بهذه البساطة. قرأت قصة كف القرد. لم أكن غبيًا إلى هذا الحد. كنت أعتقد أنني ذكي عندما أتمنى، وستكون غير مؤذية إلى حد يجعل التلاعب بها مستحيلا.

«أتمنى دولارًا واحدًا».

حتى لو كان مجنونًا، فبإمكانه تحقيق هذه الأمنية. لكنه لم يكن مجنونًا. شاهدتُ الرجل وهو يرفع يديه، ويضمهما في الهواء، ويخرج ببطء دولارًا واحدًا أمامي وكأنه خرج من ثقب أسود. طفا الدولار بهدوء بين يديّ الفارغتين. نظرت إلى الورقة النقدية وأنا غير مصدق، وعندما نظرت إليه من جديد، وجدت أنه اختفى.

في البيت، لم أفعل شيئًا سوى التحديق في الورقة النقدية، غير متأكد مما إذا كان ما رأيته حقيقة. كيف فعلها؟ هل كان جنيًا حقًا؟ هل هذه الورقة النقدية حقيقية أم أنني أحلم؟ كنت متأكدًا أنني لا أحلم، لكن هذا لم يكن السؤال الذي أزعجني بحقّ. الفكرة التي أرهقت عقلي بلا نهاية: هل أهدرتُ الآن أمنية حقيقية على دولار واحد؟

الأربعاء، 29 يوليو 2026

الجرب الزاحف

 

سأشارككم بعضًا من أحلامي المظلمة. في الغالب أرى أحلاما عادية لا معنى لها. لكن في بعض الأحيان تراودني كوابيس يصعب تفسيرها. يقولون أن الوقت الذي تحلم فيه يساوي زمن نومك، لكن يبدو لي أن هذه الأحلام تستمر لأيام أو أسابيع أو حتى سنوات. حتى أنني قد أنام وأحلم داخل هذه الأحلام، ما يجعلني أدخل في مستوى آخر من الجنون. في إحدى الليالي رأيت حلمًا واضحًا جدًا جعلني أرتعش، وسأحاول مشاركته معكم.

أساس هذا الحلم هو أنني امتلكت مجموعة من الذكريات. كنت أعرف الناس هناك. بل أتذكر تجارب سابقة منذ سنوات مضت وأستفيد منها في حياتي. كما لو أنني عشت عشرين عامًا هنا، وأن كل ما حولي تعلوه طبقات من التاريخ والذكريات تظهر إلى الحياة حتى قبل أن أشهدها. أول أمر لاحظته في الحلم كان مبنى بسيط من الطوب يرتفع بضعة طوابق. تم تصميمه بالأسلوب المألوف للمدن التي نَمَت خلال أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات.

أدخل المبنى. أدرك أنني أنتمي هنا. لم أتذكر في البداية سبب انتمائي للمكان، ولكن عند دخولي أتذكر أنها كلية. أتحدث مع الطلاب وأحضر الفصول الدراسية، وغير ذلك مما يفعله الطلاب. أعود إلى منزلي في الليل، وكان مثل منزلي الحقيقي. وعندما أنام أحلم بنلك الكلية. أحلم بها مغطاة بمادة لزجة. أحلم بالناس مشوهين لكنهم يتحركون. إنهم أحياء، إن كانت هذه الكلمة مناسبة. أصحو وأعود للمبنى. لكن الجدول مختلف الآن. أرى نفسي في فصول أخرى. حتى في الحلم، أدركتُ أن هذا غريب.

في منتصف يومي، اقتربت مني شابة أذهلتني على الفور بجمالها الذي لم أرى مثله في حياتي. جمال ملائكي ناعم. مجرد رؤيتها تمشي في الممر وتقترب مني جعلني هادئًا وسعيدًا. إنها أكبر مني ببضع سنوات. أعرف هذا لأنني أعرفها شخصيا. اسمها جيجي.

الأربعاء، 20 مايو 2026

قضية مارتينا غوميز

 

مركز هاغرسال للاكتئاب المزمن

دراسة حالة: مارتينا غوميز

الأمراض المعروفة: الاكتئاب، جنون الارتياب، الأرق، نوبات الهلع

مدير الجلسة: ر. هاغرسال

 

مقدمة: التقى فريقنا مع مارتينا غوميز البالغة 25 عامًا في صباح 1 أكتوبر 2009، بناءً على إصرار والدتها. أبلغت السيدة غوميز عن زيادة مقلقة في شدة نوبات الهلع والبارانويا التي تعاني منها ابنتها، وكذلك مدتها، وأحالتها إلينا بناء على توصية مركز كوبالت فالي الطبي خارج هيوستن. يضم فريقنا خبيرًا في لغة الإشارة، حيث تفتقر مارتينا غوميز إلى القدرة على الكلام بسبب تعرضها لحادث في عيد ميلادها الثامن عشر. رفضت السيدة غوميز عرضنا بتصوير الجلسة بالفيديو لأسباب شخصية.

ملاحظات الجلسة: لتسهيل التحليل من قبل أعضاء المركز، تمت ترجمة لغة الإشارة للسيدة غوميز بشكل كلام لفظي.

***

الموظف: أخبرينا قليلاً عما حدث لحلقك، ولماذا لا يمكنكِ الحديث.

مارتينا: كان عمري 17 عامًا. اعتدت على الغناء. حدث ذلك بعد زمن قصير من انتهاء المدرسة في الصيف، خططتُ للخروج مع صديقاتي وبعض الأولاد لحضور حفل في فندق على بعد أميال قليلة.

الموظف: السبب الرسمي في ورقتك الطبية يقول أن سقوطك خارج غرفة فندق أدى إلى إتلاف حلقك.

مارتينا: لم يبدأ الأمر هكذا.

الموظف: ألم تذكري هذا للأطباء أبدًا؟ هذا ليس مذكورا في روايتك عن الحادث.

مارتينا: لم أستطع كتابتها. حتى الآن، التفكير في الأمر يجعل قلبي يدق بسرعة وأشعر أنني سأموت.

الموظف: إذن اشرحي ما حدث. خذي وقتكِ.

مارتينا: حدث هذا لجدتي أيضا. توفيت وهي بعمر الثامنة عشرة. كانت أمي يتيمة منذ كانت رضيعة. كنت أقرأ مذكراتها بينما كنت أتعافى في منزلي ولم أصدق ما رأيته. ماتت مقتولة.

الموظف: لقد ذكرتِ هذا من قبل. تظهر السجلات الطبية أن جدتك أصيبت بسكتة دماغية قوية نتيجة لتشوه الشريان. ماتت بشكل طبيعي.

مارتينا: لا، أنت مخطئ. إنه لا يقتل كما تظن. إنه يأخذ ما بداخلك ويتغذى عليه. نفس الشيء أتاني. رأيته في الفندق، يقف في الظلام في نهاية الممر. تبعني إلى المنزل. تبعني في كل مكان لأسابيع.

الموظف: شخص فعل هذا بكِ؟

مارتينا: ديلغادو.

الثلاثاء، 5 مايو 2026

رأس الحصان

 


استيقظت وأنا غارق في عرقي مرة أخرى. أيقظني الضجيج مجددا. هذا الجرس اللعين. لا أصدق أنه وقت العشاء. ذهب أحد الحراس إلى باب زنزانتي وفتحه. «وقت العشاء أيها الوغد المجنون. إنه المفضل لديك».

بلعت ريقي. أدرك من لهجته أنه لا بد أن يكون الطبق الفظيع المكون من البطاطس مع لحم البقر المشوي. عادةً ما أتحرق لهذه الوجبة، لكن ليس هنا، فهنا طعمها مثل ورق الصنفرة والتراب. دخل الحارس إلى زنزانتي، وأمسك بمؤخرة السترة التي تقيّدني، وجرّني إلى قاعة الطعام. سأضطر إلى تحمل ذلك، فهذا ليس أسوأ ما يقلقني.

إذا لم تصلكم الفكرة حتى الآن، فأنا أقضي الآن أيامي داخل مصح عقلي. لكنني هنا بسبب ظروف ظالمة. أنا لم أقتل عائلتي. بل رأس الحصان هو من فعلها.

هذا هو اللقب الذي أطلقه عليه.

تناولتُ طعامي وجلست مع باقي الرفاق. خلع الحارس ستراتنا جميعا. كنت أول من تكلم كالعادة. «هل سمعتم تلك الأصوات في الليل؟»

«هل تقصد ثرثرة المرضى؟ نعم، أنا واثق أننا سمعناها جميعا. حتى أن بعضنا ساهم فيها، أليس كذلك يا إريك؟» كان ذلك جيرالد. إنه يقبع هنا لأنه اغتصب وقتل عشر مومسات. ادعى الجنون أثناء المحاكمة. وغد مريض.

حاولتُ تجاهله عندما ضرب إريك بمرفقه في خصره، ما جعل الأخير يصرخ. طعنتُ قطعة من اللحم بالشوكة، ووضعتها في فمي. جفلتُ من طعمها المريع. «كلا، ليس هذا، بل الأصوات الأخرى، تلك التي يصدرها...» أعتقد أنني سمعتُ جيرالد يقسم بصوت خافت أنه يعرف أين سيسير الكلام. «سمعتها مرة أخرى، أقسم، أنفاسه في الممر...»

ضرب جيرالد بقبضته على الطاولة. «توقف عن هذا الكلام! أنت مجنون مثلنا جميعا. انظر حولك لترى أين أنت!» كنت على استعداد للرد بإهانة لفظية، لكنني عدلت عن ذلك. لا جدوى من هذا، إذ بإمكانه ضربي بسهولة، كما أنني تساءلت في أعماقي عما إذا كان محقا. أنا أعيش هنا منذ فترة، ماذا لو كنت مجنونًا حقًا؟ كلا، لا يجب أن أفكر بهذه الطريقة، رأس الحصان حقيقي وهو قتل عائلتي، هذا حقيقي. بدأت أستمع إلى الهمسات من حولي، وأحاديث العقول المحطمة، لكن لم يمض وقت قبل أن يصرخ جيرالد. «لكن مهلاً، إذا كان الإيمان بوحشك الخيالي يساعدك على النوم ليلًا...» نظرت إليه ورددت عليه بغضب. «كلا إنه لا يساعد.. أنا نادراً ما أنام». ضحك جيرالد. يا له من أحمق.

أنا لا ألومه على عدم تصديقي، لكن ليس عليه أن يسخر من الموقف.

«الآن اصمت وتناول طعامك. وتوقف عن سرد هذه القصص، فقد تخيف الأطفال الآخرين».

«توقف عن نذالتك، لقد كان هذا حقيقيًا». تنحى عدد من الآخرين جانبا، فقد كانوا يكرهون هذه المشاحنات. مظهرنا يبدو سيئًا، حتى المجانين ظنوا أننا مجانين. حتى أننا كدنا أنا وجيرالد أن نقتل بعضنا ذات مرة، لكن فترة في الحبس الانفرادي أصلحت الأمور بيننا.

الجمعة، 20 فبراير 2026

الطبيب النفسي

 

أنا طبيب نفسي، وقد تعاملت مع العديد من الحالات في مسيرتي المهنية، وتعاملت مع أناس يعانون من مختلف المشاكل الغريبة. واجهت ذات يوم حالة جعلت فرائصي ترتعد.

حدث منذ زمن أن انتقلت عائلة إلى الحي الذي أعيش فيه؛ زوجان في الستينيات من العمر وابنهما الذي يبلغ ثلاثين عامًا. كان الابن "ناسكا"، إن صح التعبير، ونادرا ما يراه الناس خارج منزله. بطبيعة الحال، لم أقدر أن أسأل العائلة بشكل مباشر، ولكن كان واضحا أنهم انتقلوا إلى هنا هرباً من وصمة العار بين المجتمع.

هذا النوع من الناس نُسميه في اليابان "هيكيكوموري"، ويطلقها الناس على أناس يكونون على درجة شديدة من العزلة والانطوائية، وينسحبون من التواصل الاجتماعي. أحيانا يقفل الهيكيكوموري على أنفسهم في غُرَفهم ويتجنبون الآخرين حتى عائلاتهم. أنا لم أرى الابن كثيرا أو أسمع عن المشكلة من والديه. افترضتُ فقط أنهم لا يريدون الحديث عن الأمر، فالناس في اليابان يهتمون بالمظاهر ويعتبرون هذه الحالات إحراجا للعائلة. 

الأحد، 1 يونيو 2025

تولبا

 

في السنة الماضية، قضيت ستّة أشهر وأنا أشارك في تجربة نفسية، أو هذا ما قالوه لي. وجدت إعلانًا في الصحيفة يبحث عن أناس واسعي الخيال مقابل مبلغ جيد، وبما أنه كان الإعلان الوحيد الذي كنت مؤهلا له في ذلك الأسبوع، اتّصلت بهم واتفقنا على إجراء مقابلة.

أخبروني بأنّ كل ما سأفعله هو البقاء في غرفة لوحدي، بينما يتم ربط مجسات برأسي لقراءة نشاط دماغي، وكل ما أفعله هو أن أتخيّل وجود شخصية مزدوجة مني. وكانوا يدعونه "تولبا".

بدا الأمر سهلا، ووافقت على القيام به حالما أخبروني بأجري. بدأت في اليوم التالي. أحضروني إلى غرفة بسيطة وأعطوني سريرا، ثمّ ربط مجسّات برأسي وأوصلوها بصندوق أسود صغير على الطاولة بجانبي. تناقشوا معي خلال هذه العملية حول تخيّل شخصي الثاني، وأخبروني أنه إذا شعرت بالضجر أو الضيق، فعليّ أن أتخيل شخصي الآخر وهو يتحرّك في المكان بدلا من أن أتحرّك أنا، وأن أحاول التفاعل معه. كانت الفكرة هي أن أبقيه معي طوال وجودي في الغرفة.

واجهت مشكلة مع الأمر في الأيام القليلة الأولى. كنت أسيطر على أحلام اليقظة بشكل لم أفعله أو أعهده من قبل. كنت أتخيّل شخصي الآخر لبضع دقائق ثمّ يتشتّت انتباهي. ولكني تمكنت من إبقائه موجودًا (إن صحّت الكلمة) في الغرفة لكامل الساعات الست في اليوم الرابع من التجربة. أخبروني أنني أتجاوب مع التجربة بشكل جيّد جدا.

حلّ الأسبوع الثاني ووضعوني في غرفة مختلفة، وكان بها مكبرات صوت مركّبة على الحائط. قالوا أنهم أرادوا أن يروا إذا كان باستطاعتي أن أبقي "التولبا" معي وأنا أتعرض لمؤثرات خارجية على التركيز. كانت الموسيقى صاخبة وقبيحة ومزعجة، وجعلت العملية صعبة بعض الشيء، لكنّي تعوّدت عليها. وفي الأسبوع شغلوا موسيقى أكثر إزعاجا، وكانت تتخللها أصوات صياح غريبة، وبدت مثل جهاز مودم قديم وهو يتّصل بالإنترنت، وأصوات غريبة وكأن أحدا يتكلّم بلغة أجنبية. أصبحت وقتها محترفا وتجاهلت من تلك الأصوات.

بدأت أشعر بالملل بعد حوالي شهر. وبدأت أتواصل مع هذا القرين وأتفاعل معه. كنت أتحادث معه أو أتخيّله وهو يرمي الكرات أو يرقص، أو أي شيء يخطر على بالي. سألت الباحثين عما إذا كانت حماقتي ستؤثّر سلبا على دراستهم، لكنّهم شجّعوني.

كان الأمر ممتعا لفترة. وبعد ذلك بدأت أمور غريبة تحدث. أخبرته مرّة عن أول موعد غرامي لي. أخبرته أن الفتاة كانت تلبس قميصا أصفر، وصححني قائلا بأن القميص كان أخضرًا. فكّرت بالأمر لثانية وأدركت أنّه كان محقًّا. أخافني هذا، وتكلّمت مع الباحثين عن الأمر بعد نهاية اليوم. قالوا: "أنت تستعمل الشكل الفكري لتدخل إلى اللاوعي. كنت تعرف في أعماق عقلك أنك مخطئ، وأنت صحّحت نفسك لا شعوريا".

كان هذا رائعا. كنت أتكلّم مع عقلي الباطن! عرفت أنه بإمكاني أن أسأل التولبا عن كل الذكريات، وإن تطلّب هذا شيئا من التدريب. بإمكاني أن أجعله يروي صفحات كاملة من كتب قرأتها مرّة واحدة منذ سنوات، أو أشياء تعلّمتها في الثانوية ونسيتها فورا. كان الأمر مذهلا.

الأربعاء، 17 يوليو 2024

اكتشاف النفس

 

أنا الآن صاحي. أحمد لله أنني حي. على الأقل هذا ما أظنه. جسدي كامل. باستثناء رأسي. شعرت وكأن به فجوة. لا أذكر أين أنا أو من أنا. ثم تذكرتُ شيئا. اسمي كما أظن. جون. أحاول تذكر شيء آخر، أي شيء. لا أتذكر الماضي أو الحاضر. أدركتُ الآن أنني لا أعرف شيئا عن مكاني. قلبي يدق بينما تركّز عيناي على محيطي. أنا في غرفة فارغة إلا من مكتب صغير وسرير. الجدران مصنوعة من حجر سميك، ربما لعزل الصوت. بحثتُ عن مخرج مثل أي إنسان عاقل. لم أجد حولي شيئا. هناك شيء واحد لفت انتباهي. ورقة على الأرض. التقطتها على أمل أن أعرف منها مكاني وما يحدث لي، والأهم أن أعرف من أنا. كانت تحوي ملاحظات من طبيب، وبها جملتان بسيطتان.

"إنه خطير. لا بد من اتخاذ إجراء". تركتني هذه العبارة في مزبد من الحيرة. اتخاذ إجراء؟ خطير؟ ما الذي فعلته لأستحق هذه العزلة؟ لدي الكثير من الأسئلة. لم يصل إلى رأسي المنهك إلا لحل واحد. الهرب. عليّ أن أغادر وأبحث عن أجوبة. أمعنت النظر في الجدران. هناك نقوش عليها. لم أفهم سوى واحد منها. بدأ قلبي يدق بعنف عندما قرأته: "لماذا لا يساعدني الموت؟" اتسعت عيني عندما انتبهت لحقيقة مرعبة. كانت مكتوبة بالدم. والأسوأ من ذلك أنه دم جديد. وكأن أحدا، ربما الطبيب، كان ينزف بغزارة. شعرتُ بالإغماء وسقطتُ على الأرض. حدقتُ في السقف. بدا لي قريبا جدا. إن مددت يدي لأقصى حد فيمكنني لمسه. لاحظت وجود حبل يتدلى من وسطه. شعرت بالفضول، فوقفت ومددت ذراعي نحو الحبل وشددته. انفتح الباب في السقف ونزلت منه سلالم عند قدمي.

رافقت نزول السلالم سحابة كثيفة من الغبار جعلتني أسعل بقوة. اندهشت من سهولة الأمر. تذكرت الملاحظة التي جعلتني أرى أنني لن أخرج أبدًا. صعدتُ السلالم ببطء. دخلتُ إلى ممر. رأيتُ مكبر صوت معلقا على الحائط وحوله عدة أزرار. إنتركوم. قررتُ أن أشغل الرسائل الأخيرة فربما تساعدني. ضغطتُ على زر رمادي. سمعت صوتًا مشوشًا يصرخ:

الأحد، 20 أغسطس 2023

إكبار بيغلشتاين

 


كنت أخاف الظلام وأنا صغير. ما.زلت أخشاه، لكن عندما كنت في السادسة، لم أقدر على نوم الليل دون أترجّى من أحد والديّ أن يبحث تحت سريري أو داخل خزانتي عن أي وحش قد يخرج ويأكلني. حتى عندما أنام والمصباح مضاء، أرى ظلالا تتحرّك في زوايا الغرفة، أو أرى وجوها غريبة تنظر إليّ من نافذة غرفتي. فعل والداي ما بوسعهما لتهدئة روعي وإقناعي أن هذا ليس سوى كابوس أو خيالا في الخارج، لكن عقلي الصغير كان مقتنعا أن أشياء سيئة ستحصل لي حالما أنام. وفي أغلب الأحيان أختفي تحت البطانية حتى ينال الإنهاك مني وأنام، لكن بين الحين والآخر يصيبني الهلع وأصرخ وأهرب إلى غرفة والديّ، وأوقظ أخي وأختي بصراخي. لم أهنأ بعدها بنومي لليلة كاملة.

في النهاية، لم يحتمل والداي من الأمر أكثر، ولكن التفاهم مع طفل في السادسة بالعقل والمنطق لم يكن سهلا، فاتجهوا للحيلة.

أتت أمي بفكرة، وهي صنع صديق من القماش يرافقني أثناء نومي.

جمعت عدة قطع من النسيج وخاطتها لتصنع ما سمّته السيد "إكبار بيغلشتاين". كان إكبار وحشا من الجوارب كما وصفته أمي، وسيحميني خلال نومي ويخيف الوحوش الأخرى. كان مخيفا بعض الشيء، وما زلت متعجبا كيف فكّرت أمي بصنع شيء غريب ومزعج كهذا. بدا وكأن الدكتور فرانكشتاين صنع عفريتا صغيرا من القماش، وكانت عيناه عبارة عن أزرار بيضاء كبيرة وآذان متدلية. صنعت ذراعه ورجلاه الصغيرتين من جوارب أختي المخططة بالأسود والأبيض، وكان نصف وجهه أخضرا وصنع من أحد جوارب أخي الرياضية الطويلة. كان رأسه منتفخا، وخاطت أمي قطعة من النسيج الأبيض بشكل متعرّج لتشكل ابتسامة تظهر فيها أسنانه الحادة. 

الجمعة، 1 أبريل 2022

الخوازمية

 

قضيت الليلة الثالثة على التوالي وأنا مكوّم فوق المرحاض بينما ترتجف أحشائي وأنا أتقيّأ كلّ ما أكلته، وأدرك الآن ما الذي يحدث: إنه يحاول تسميمي. لقد حدث هذا بسلاسة ووضوح حتى أكاد أضحك، لكن النوبة التالية من القيء تجبرني على التزام الصمت.

حل الصباح ورميت كل ما في المطبخ، ولففت القمامة ثلاث مرات في ثلاثة أكياس سوداء ودفنتها في عمق برميل القمامة، فأضمن أنها لن تقع في طريق أي عابر سبيل. خرجت من باب العمارة وقطعت نصف الطريق إلى المتجر في الزاوية عندما أدركت شيئا: إنه بلا شك يعلم أين أتسوّق.

اخترت اتّجاها ومشيت، وأنا أتمتّع بنسيم الشتاء البارد الذي يسكّن النار المتقدة في أحشائي. أنعطف في مسارات عشوائية، وأمشي في طرق لا أتبعها عادة، إلى أن أجد دكانا صغيرا ذو اسم غريب. أدخل وأتناول سلة بلاستيكية صغيرة وأملأها بعجالة. آخذ طعاما من علامات لم آكل منها من قبل، علب غريبة من مكونات أجنبية لا أعرفها، وأشياء أخرى لم أفكّر بشرائها يوما. حليب صويا. توفو. أحسّ بمعدتي من الآن وهي تنتظر وجبة غير ملوّثة.

أعدّ الوجبة وأنا أترقب بقلق، أحاول التركيز على التمتع بالروائح وصوت قرقعة الدهن على المقلاة. يبدو الطعام نظيفا، لكن هذا ما حدث مع كل الوجبات السابقة. أحاول إقناع نفسي أن الألم بداخلي ينبع من الخوف والقلق فحسب، ولكنني أعود لأجثم مجددا في الحمّام القذر قبل منتصف الليل، وألقي كل ما طبخته إلى المرحاض الخزفي.

جمعت ما تبقى من طعام في اليوم التالي، وتخلّصت منه بنفس الحرص. تناولت الطعام في الخارج ذلك اليوم، وأضفت دينا جديدا على بطاقة الائتمان في المطاعم على الجانب الآخر من البلدة.

الأربعاء، 2 مارس 2022

الزوائد

أنا أملك هذه الزوائد منذ كنت طفلا.

كنت واعيا بوجودها، وكنت أخفيها في جيوبي وداخل الكتب والحقائب. لم يقل الأطفال في المدرسة شيئا، ولكني متأكد أنهم كانوا يضحكون عليّ وراء ظهري.

طلبت من والداي أن يأخذاني للطبيب ولكنهما لم يهتما للأمر. كانا يقولان أنني بخير ثم يغيران الموضوع.

الاثنين، 14 يونيو 2021

الصوت في الجليد

 


ينزل الثلج الشاحب على صفائح الأكواخ من حولي. تجرّدت تلك الصفائح من الطلاء الذي ترك خلفه رقعا برتقالية بشعة. بدت كأنها ألف عين من نار تحدّق بي وسط البياض من حولي. لا يوجد أحد في هذه القرية المهجورة، تلك الجزيرة وسط هذا البحر الواسع من الجليد والبرد. لا أرى شيئا آخر لأميال عديدة. أنا وحيد هنا، ولا يسعني فعل شيء سوى أن أنتظر أن تفكك الريح العاتية أوصالي. سأنتهي مقشّر الجلد وساكنا مثل هذه البلدة.

أضغط بجسدي على جانب أحد الأكواخ كي أتجنب الريح، ولكن بالكاد أتجنب عويلها الذي يعصف بعقلي. أجلس بهدوء على الأرضية التي صنعت من الخزف الأبيض، وأقرّب ركبتاي إلى صدري حتى أحفظ ما تبقى من حرارة داخل جسدي المنهك.

"دانيال!"

السبت، 3 أبريل 2021

اتصل بي غدا

 لم تصلني أي رسائل على الهاتف بعد.

لا أعتقد أنه سيعاود الاتصال بي. لا ألومه. ربما بالغت في التودد إليه بالأمس.

لاحظت وجوده قبل أن يلاحظ هو وجودي بفترة طويلة. بشعره الأسود اللامع وعيناه الزرقاوين. أنا متأكدة أنني لست الوحيدة التي ظلت تراقبه. كانت حركات جسده أنيقة. أما ابتسامته...

سأموت من أجل تلك الابتسامة.

لم تصلني أي رسالة.

أفكر بالاتصال به والاعتذار عما بدر مني بالأمس، ولكن لا أحمل نفسي على رفع الهاتف ومهاتفته.

بالإضافة لهذا، فقد وعدني أن يتصل بي عندما يكون جاهزا.

لهذا سأصبر وأنتظر.

الجمعة، 4 سبتمبر 2020

أكثر لعبة فيديو مرعبة على الإطلاق

 انتهيت لتوّي من لعب إحدى أكثر ألعاب الفيديو رعبا على الإطلاق. اسمعوني قبل أن تتهموني بأنني مجرد أحمق يخاف من أي شيء. لا تخيفني ألعاب الفيديو أو الأفلام، ولعبت العديد من ألعاب رعب البقاء وشاهدت العديد من أفلام الرعب، وشعرت بالخوف قليلاً من بعضها، ولكن أغلبها كان مملا. هذه اللعبة كانت مختلفة. مختلفة جدا.

الجمعة، 19 يونيو 2020

قائمة البقالة



تأتيك مكالمة هاتفية من والدتك. سيارتها موجودة في الورشة، وتطلب منك الذهاب إلى البقالة وتشتري لها بعض الحاجيات. الخبز والحليب وحبوب الفطور وصدر الدجاج.

تكتب قائمة صغيرة وتركب السيارة وتجمع الحاجيات من المتجر. تدلي موظفة الصندوق بملاحظة غريبة: "نحن لا نواجه خطر نقص الحليب".

تصل إلى منزل أمك وتطرق الباب عدة مرات. لا أحد يرد. تجرّب أن تفتح الباب ويُفتح معك. تضع كيس البقالة على المنضدة. غريب. يبدو أن هناك ستة أكياس بقالة أخرى، وجميع محتوياتها متطابقة. فسد الدجاج والحليب في بعض منها. 

الجمعة، 8 مايو 2020

الخوف من الماء


لطالما كنت خائفا من الماء، ويراودني القلق بأن أتعرض للغرق. لم يكن هذا لأنني لا أعرف السباحة، إذ أن أبي علمني، وقال أنني كدت أغرق وأنا صغير، ولكن هذا ليس السبب.

لكن ما يخيفني هو أمر آخر: عندما أكون تحت الماء وأرفع عيني للسطح فإنني أرى امرأة تمدّ يدها إليّ، وكانت تبتسم وشعرها الذهبي يتوهج تحت شعاع الشمس. حدث هذا منذ بدأت أعي الأشياء حولي، وحتى عندما أكون في حوض الاستحمام. كان هذا يحدث في كل مرة، ولكني لم أعتد عليه أبدا.

لم أخبر أبي يوما بالأمر، ولكني سألته عدة مرات عن أمي. لم يكن راغبا بالحديث عن الأمر، حتى أنه غضب عندما أصريت على الأمر ذات مرة.

الخميس، 18 أبريل 2019

مجرد قصة


لم يكن الأمر سيئا في البداية. مجرد قصة من بين القصص على الإنترنت. مجرد قصة في إحدى تعليقات اليوتيوب وتطلب منك أن تنشرها على ثمان مقاطع أخرى وإلا أصابك الشر، من نوع القصص التي تنذرك أنك ستموت أو أن حبيبتك سترفضك إن لم تنشر الكلمة. لم أهتمّ بالأمر حينها، ولكنه أصبح كل ما يشغل بالي الآن.

بدأ التعليق بعبارة "ظلت تطاردني لأيام" وانتهى بعبارة "بما أنك تقرأ هذا، فستطاردك أيضا". لا أتذكر إذا كان هذا الكلام المذكور بالضبط، فقد كنت منهكا، كما قرأت تلك التعليقات مائة مرة من قبل.

نسيت الأمر كله... حتى بدأت تطاردني.

السبت، 3 نوفمبر 2018

بوابة العقل


في عام 1983، قام مجموعة من العلماء بتنفيذ تجربة في منشأة لم يُعلن عنها. طرح هؤلاء العلماء نظرية بأن الإنسان الذي يفقد التواصل مع العالم الخارجي بجميع حواسه، أو الذي لا يتلقى أي مثيرات أو محفزات، فإنه يكون أقرب إلى الله.

كانوا يرون أن الحواس الخمس غطّت على إحساسنا بالأبدية، وبدونها يمكن للإنسان أن يحقق التواصل مع الله عن طريق الأفكار. لم يتطوّع للتجربة أحد إلا رجل عجوز قال أنه لم تعد لديه رغبة بالحياة. بدأ العلماء بإزالة كافة حواسه، وذلك بإجراء سلسلة من العمليات المعقدة تم فيها قطع جميع الأعصاب الحسيّة التي تصل إلى الدماغ. احتفظ الرجل بكافة وظائف جهازه العضلي، ولكن لم يكن بإمكانه أن يرى أو يسمع أو يتذوق أو يشم أو يحسّ. لم يكن بإمكانه أن يتصل مع العالم الخارجي أو يحس به، وبهذا كان وحيدا مع أفكاره.

الخميس، 26 يوليو 2018

أخي تشارلي

أكره عندما يرحل أخي تشارلي.

دائما ما يحاول والداي أن يشرحا لي ماهية مرضه. وأنني محظوظ لأن دماغي سليم وأن كل شيء فيه يعمل بشكل صحيح. وعندما أشتكي من الضجر لأنني لا ألعب مع أخي الصغير، يقولون أنه يشعر بالضجر أكثر مني، لأنه محتجز في غرفة مظلمة في مصحة.