الأربعاء، 4 فبراير 2026

بانشو ساراياشيكي

 


هذه قصة عن بانشو ساراياشيكي، أو "قصر الأطباق في بانشو". 

كانت فترة سينغوكو أو فترة الدويلات المتحاربة في اليابان هي فترة من الاضطرابات الاجتماعية الكبيرة والمؤامرات السياسية. خلال حرب أونين (1467–1477) كان هناك قائد يدعى كوتيرا نوريموتو، سيد قلعة هيميجي الرائعة. قام كبير أعوانه، ويدعى أوياما تيسان، بالتخطيط لمؤامرة ضد سيده.

لم يكن أحد يشك بأمره لولا أن أوكيكو، إحدى خادمات أوياما الشابات، سمعته وهو يناقش خططه مع أحد أتباعه، لأن السيد كوتيرو كان يكن له تقديرًا كبيرًا حتى أنه منحه قصرًا رائعًا داخل أسوار قلعته ومجموعة من أطباق الخزف النفيسة من مقاطعة هيبي.

كان أوياما سعيدًا جدًا بقصره الفسيح. وأكثر ما أعجبه كانت جدرانها الخشبية، والتي كانت مغطاة بالجص الأبيض لحمايتها من الحرائق، مثل باقي أسوار القلعة المنيعة. كما كان يعتز أيضًا بمجموعته من الأطباق، التي أصبحت إرثًا عائليًا قيمًا، وكانت من القيمة لدرجة أنه أعلن أن أي شخص يكسرها يُعرِّض نفسه للموت.

كان أوياما منبهرًا بجمال أوكيكو، وعهد بالأطباق لتكون في حمايتها، وأغلقت عليها في صندوق خشبي مبطن بالحرير. كان يأمل أن يكسب محبتها إذا أكرمها بثقته. كان هناك عشرة قطع في الطقم: ثلاثة أكواب وثلاثة صحون وثلاثة أطباق وإبريق شاي. كانت مصنوعة من خزف أبيض ثلجي، وكان أرق وأشفّ ما رأته في حياتها.

 

الأحد، 18 يناير 2026

خلف حد الأشجار

 


عندما مات جدي، فكرت أنه ساعته حانت أخيرا. لا تفهموني خطأ، كانت مأساة، لكنها متوقعة. كان عجوزًا وذهب نصف عقله، ويعيش وحيدًا في منزل يبعد نحو ثلاثين ميلاً عن أقرب مدينة. عندما ورد الخبر بأنه عُثِر عليه ميتًا في منزله، شعرت بالحزن ولكن لم أتفاجأ.

كنتُ قد نلت لتوي شهادة في الفنون الحرة من جامعة أوكلاهوما، وفكرت لفترة أن أنتقل لمنزله القديم. لم يرده والداي ولم يرغبا في تأجيره، وكان أفضل من أي منزل في نطاق ميزانيتي لسنوات قادمة. أخيرًا، في أبريل من هذا العام، ابتلعت مخاوفي وانتقلت إلى البيت. قرر أخي أن يأتي معي، لأنه انفصل لتوه مع صديقته التي عاش معها، وكان بحاجة إلى مكان يقيم فيه لبضعة أشهر حتى يقف على قدميه. كان المنزل القديم كبيرًا ولم يكن من الصواب أن أرفض.

كان جدي يملك الكثير من المال قبل أن يضيع عقله. لم أره قط خلال نشأتي، إذ كان يعيش على بعد مئات الأميال إلى الجنوب منا في شرق تكساس. ما زلت أتذكر الهدايا التي اشتراها لنا في الكريسماس وأعياد ميلادنا وغيرها. كانت أفضل مما يستطيع آباؤنا شراءه. كما اشترك معي بالمال عندما اشتريت سيارتي الأولى، ووافق على دفع نصف ثمنها طالما لم تكن سيارة يابانية، أو "قدر أرز"، حسب وصفه.

لن يدعي أحد أبدًا أنه كان رجلاً مثاليًا، أو أننا لم نشهد أي خلافات، لكنه ساعدني على شراء سيارة فورد بيكب جديدة، لذا كان واضحًا أنه كان يهتم بنا. كان هذا المنزل هدية عيد ميلاد أخيرة منه، هذا ما قلته لنفسي في يوم انتقالي إلى هناك قبل بضعة أشهر. لم يكن المكان بحالة جيدة، واحتاج الكثير من الصيانة. تمت إزالة غرفة النوم في الطابق العلوي من قبل شرطة سيلفر سبرينغز لأسباب لم أرغب في التفكير فيها، ولكن بخلاف ذلك، كان المكان جيدا.

في ليلتنا الأولى، قمت أنا وبين بإدخال مراتبنا والتلفاز وجهاز إكس بوكس القديم خاصتي. سهرنا لوقت متأخر من تلك الليلة، لأن أيًا منا لم يرغب في النوم. انتهينا من لعبة السباق، التي كانت الوحيدة التي اتفقنا عليها، جلسنا وتحدثنا لبعض الوقت عن مسار حياتنا منذ أن ذهابنا للجامعة. الموضوع الوحيد الذي لم نطرحه أبدًا هو سبب وفاة جدنا.

الاثنين، 29 ديسمبر 2025

رجل الكم

 

جلس جوناثان فيليكس على الكرسي بعد تثبيت الأقطاب الكهربائية على جمجمته. وهو يجلس حاليًا على كرسي ويخضع لأحد أغلى الاستثمارات العلمية الخاصة في العالم، وفي هذا اليوم سيجني ثمرة جهوده وجهود الآخرين. كان الهدف من المشروع هو فتح عقل الإنسان والسماح له بإدراك بعد مكاني يتجاوز الأبعاد الثلاثة المتوسطة.

لا تزال النتيجة الفعلية موضع النقاش، ولكنهم رأوا أن الفرد سيكون قادرًا على دراسة جميع الأكوان المحتملة التي قد يخلقها من أفعاله، ثم اختيار الكون الذي يرغب في اتباعه. ستكون كل أفعاله مثالية لأنه شهد جميع النتائج بالفعل.

انتهز فيليكس الفرصة لأنه كان شابًا وعنيدًا. كان في أوائل العشرينات من عمره، وكان بارعًا في مجال ميكانيكا الكم، وحظي بفرصة تطبيق الجوانب النظرية من مهنته على وسط مادي. أعطى الموافقة النهائية للتقنيين الواقفين خلف زجاج الأمان، وشغلوا الآلة لتبدأ المراحل الأولى. نقل الميكروفون في الغرفة كلماته مع بدء العملية.

"إذا رأيت أبعد من الآخرين، فذلك لأنني وقفت على أكتاف العمالقة".

انحنى الكرسي إلى الخلف حتى تحول إلى طاولة مسطحة، ونزلت قبة دوارة كبيرة وأحاطت بكامل جسده. هناك هيكل بلوري معقد يبطن داخل القبة. ركز على جوانب البلورات، ولاحظ أنها بدأت تتحول وتتشكل بطرق لم يتمكن عقله من فهمها. بدأ يشعر بالدوار. امتلأ بصره فجأة بومضات ضوئية قوية، وبدأ جسده بالتشنج.

أوقف المهندسون العملية على الفور بعد قراءة علاماته الصحية في غرفة التحكم. هرع أحد المسعفين لفحص علامات الحياة لدى فيليكس، وكان سعيدًا بالعثور على نبض ضعيف ولكنه ثابت.

الاثنين، 15 ديسمبر 2025

فتى البيسبول

 


حاول العثور على مدرسة كوين إليزابيث الابتدائية مدينة سودبوري في أونتاريو، وهو مكان يتميز بساحته الواسعة ومبناه المبني من الطوب القديم. اذهب إلى ملعب هذه المدرسة مساء يوم الأحد، في أي وقت بين الساعة 6:25 مساءً و6:45 مساءً. يمكنك إحضار غرض واحد فقط معك. قد تكون دراجة (ربما وسيلتك للوصول إلى هناك) أو كاميرا، ولكن لا شيء قد يلهيك عن محيطك. ستفشل في المضي قدمًا في هذا الطقس إذا لم تركز على ساحة المدرسة.

اذهب إلى الأراجيح، واختر الأخيرة على اليمين والعب بها. يمكنك ببساطة أن تجلس عليها فقط، لكن العملية قد تأخذ وقتًا أطول. إذا سار كل شيء بشكل صحيح، فيجب أن ترى خيال طفل يمشي في المكان ويلوح بمضرب أسود. لا تحدق به طويلا، وإلا سيلاحظ وجودك ويهرب من الفناء. في تلك المرحلة، لديك مقدار (غير معروف) من الوقت للابتعاد قدر الإمكان عن المدرسة قبل عودته.

استمر في التأرجح لفترة كافية، وسوف تسمعه يناديك، ويتجه نحوك ببطء من الخلف. انظر إليه مرة أو مرتين فقط في البداية. عندما يقترب سيسألك عن اسمك. إياك أن تكشف عن اسمك تحت أي ظرف، لأنه سيطرح عليك المزيد الأسئلة وستجد نفسك مضطرا للإجابة عليها. سيتذكر كل ما تقوله له، ورغم أنه لن يؤذيك بهذا، فإنه يحب أن يخبر "أصدقائه" بكل التفاصيل عن الناس الذين يقابلهم. بدلًا من ذلك، أخبره بأدب أن اسمك "ليس مهمًا".

الثلاثاء، 25 نوفمبر 2025

7:05

 

7:05 صباحًا

تستيقظ من سباتك صباح السبت بسبب طنين خفيف قادم من الناحية الأخرى من الغرفة. تندفع غريزيًا لإيقاف هاتفك الذي يهتز. ترى رسالة واحدة غير مقروءة من رقم لا تعرفه.

الاستلام: 7:05

"لست متأكدًا حقًا مما يحدث. أنا خائف ووحيد. لم أعد أعرف ما عليّ فعله. قررت توثيق ما يحدث بهذه الرسائل النصية في حالة عدم قدرتي على سرد القصة بنفسي".

ينتابك شعور مزعج، لكن عقلك ليس صاحيًا بما يكفي لاستيعاب ما قرأته للتو. ما زال الوقت مبكرًا على ذلك. تقرر العودة للسرير وتتعامل مع الأمر لاحقًا.

9:10 صباحًا

يرن طنين هاتفك المألوف في رأسك فتستيقظ وتجد رسالة أخرى غير مقروءة. صادرة من نفس الرقم الأول، والشعور الذي ينتابك وأنت تقرأ الكلمات لا يختلف كثيرًا أيضًا.

 الاستلام: 9:10

"قررت أن الحمام سيكون مكانًا جيدًا للاختباء. أقسم أنني أسمع خطى قادمة نحوي. أسمعها لساعات. أحتاج إلى إيجاد طريقة للخروج، لكنني خائف جدًا. أشعر وكأن الجدران تغلق عليّ. كل ما أعرفه هو أنني بحاجة للخروج من هنا. المكان ليس آمنا".

بدأتَ تشعر بالقلق. تريد المساعدة وتحاول الرد، لكنك غير متأكد مما ستقوله. تحاول تجاهل الرسائل باعتبارها مزحة، لكن هذا لا يخفف من القلق. في الوقت الحالي، تقرر أن تستمر في يومك كما المعتاد.

11:14 صباحا

مرت ساعتان. هدأ القلق بداخلك. ما زلت تجد نفسك غير قادر على تناول الطعام. هذا الشعور لا يمكن تفسيره وأثر على شهيتك. ثم تسمع نفس الصوت من قبل.

الأربعاء، 12 نوفمبر 2025

أنتران

 


تم التقاط الصورة في زمن ما في السبعينات. إنها الصورة الوحيدة التي الباقية لابني، مع كائن صناعي يدعى "أنتران"، الذي تبنّته عائلتنا في ذلك الوقت.

كان صيفا دافئا في منتصف السبعينيات. كنت عائدا من عملي في شركة قطع الأشجار بعد وردية طويلة، لكن تعيّن عليّ التوقف عند مكب القمامة لأرمي بعض المكاتب القديمة. وصلت إلى هناك ولفت نظري شيء هناك. أمعنتُ النظر، وذهلت لرؤيتي ما اعتقدت أنه دمية. كان لها غلاف خارجي بلاستيكي بأطراف معدنية، والمدهش أكثر أن لها وجها بشريا وعيون جامدة وسوداء. سأكون صادقا وأقول إنني كنت فضوليا وقتها. أعجبتني صنعة هذا الشيء بشدة، ولم أفكر كثيرا قبل أضعه بعناية على المقعد الخلفي وأخذه إلى المنزل.

حظيت الدمية باهتمام ابني بشدة مثلي تماما. عملنا عليه خلال الأيام التي تلت، ففتحنا غطاءه ونظرنا إلى دوائره الكهربائيةـ ونرى إن كانت به قطعة ضائعة أو معطلة. ولدهشتنا، عاد هذا الكائن (أو الروبوت) إلى الحياة. كان يدير أطرافه ويقبض يديه ويحرّك عينيه، وبعد لحظات وقف من تلقاء نفسه. غنيّ عن القول أننا كنا خائفين ومسحورين في نفس الوقت. فكرت في نفسي عمّن يمكنه صنع هذه القطعة الرائعة.

الجمعة، 31 أكتوبر 2025

التنين التاسع والعشرون

 

فوق أرصفة ميناء سياتل المغطاة بالملح، يوجد كوخ قبيح من الألواح الخشبية، نوافذه ملطخة بالأوساخ وجدرانه مغطاة بشباك الصيد.

هناك حانة أبلاها العمر، ولكنها ملاذ لعمال السفن والبحارة الذين يقضون أيامهم في الركض عبر هياكل السفن المتهالكة، ويقضون لياليهم في يشربون حتى يفقدون الوعي.

إنها مكان دنيء، فأي تعليق سخيف سيعرّضك لتلقي لكمة في وجهك أو ربما تجد نفسك مرميّا في المياه القذرة.

في أي ليلة من الليالي، قد تجد بحارًا صينيًا عجوزًا متكئًا على منضدة الحانة، عريض المنكبين وضخم البطن وله نظرة جامدة لا تفارق وجهه العريض. اسمه هاو مينغ، ولكن بالنسبة لرواد الحانة الدائمين فهو معروف باسم "الرجل ذو التنانين الثمانية والعشرين". هناك ثمان وعشرون وشما لزواحف طويلة تتشابك مع بعضها عبر ذراعيه وساقيه وتلتف عبر عضلات ظهره.

يدعي هاو أن كل تنين يمثل جزءًا مهمًا من حياته، حيث تتحول القصص إلى حبر. اشتري له كأسًا وسيسعد بمشاركة الحكايات المثيرة خلف كل واحد منها، ويحكي لك كيف أن ألوان التنين تمثل ما مرّ به من فرح ورعب وحب وفقدان وموت. قم بزيارته في 28 ليلة واشتري له 28 شرابًا وسترى قصص حياته تتشابك وتندمج أمامك وتتحول إلى صورة كاملة لهذا العجوز السكير.

وبعد ذلك، بعد أن تستنفد خزينة مغامراته، تستبيحه عذرا وتغادر في جنح الليل، حيث يتمايل ضوء مصابيح الحانة على الأمواج المظلمة. سيُكمِل الرجل العجوز شرابه ويضم قميصه إلى صدره، ليخفي سره الأخير، وشم تنين آخر.

لقد أقسم منذ زمن طويل ألا يكشف أبدًا عن الوشم أو حكايته لأي روح حية. إلا واحدا... كانت ليلة عاصفة، وانهمر المطر عبر النوافذ وكأنه حبر من أثر الأوساخ، وعصفت الريح عبر الخشب المتشقق، ثم روى لي القصة...

كانت ليلة مسلية حيث كنت أستمتع بشرابي وأشاهد مينغ وهو يوسع ضابط تموين مخمور ضربا، حيث رمى كلامًا حول عيونه الضيقة. وقع الضابط إلى الوراء، وأمسك بقميص مينغ ومزق مقدمته وكشف للحظات عن صدره.

زأر مينغ ولكم السكير تحت ذقنه وأسقطه أرضا. سحب مينغ قميصه على كتفيه وعاد إلى شرابه. عادت الضوضاء في الحانة إلى طبيعتها، وواصل الجميع ضحكهم ومزاحهم. كنت الوحيد الذي رآه – الثعبان الأسود المنقوش على قلبه. تنين صيني يتلوى ذيله العريض في حلقات، وشواربه الطويلة تبرز من وجهه كأنه شعر مبلل ومتشابك...

سلّحتُ نفسي بالثقة وكأس من الكحول، وجلست بجواره وقدمت له الكأس. عرفني بأنني أحد الزبائن الدائمين وقبل عرضي. غمز وهو يمد ذراعيه "حسنًا يا صديق، ما هي القصة التي تريد أن تسمعها الليلة؟" أشرت إلى صدره نحو الثعبان المختبئ عند قلبه. اختفت ابتسامته في لمح البصر. حدق في عينيّ، وانقلبت شفتاه الثقيلتان إلى عبوس وتجهّم. قال: "ليست قصة جيدة، انسَ أنك رأيته".

شعرت بالرغبة في الاستسلام، لكنني لاحظت أنه يتأرجح قليلاً في كرسيه. واغتنمت الفرصة، وطبطبتُ على كتفه، وأخبرته ألا داعي أن يقلق، وطلبت له كؤوسا أخرى تعبيرا عن نيّتي الطيبة. ثم انهار بعد ساعتين وعشرة كؤوس.