الأحد، 18 يناير 2026

خلف حد الأشجار

 


عندما مات جدي، فكرت أنه ساعته حانت أخيرا. لا تفهموني خطأ، كانت مأساة، لكنها متوقعة. كان عجوزًا وذهب نصف عقله، ويعيش وحيدًا في منزل يبعد نحو ثلاثين ميلاً عن أقرب مدينة. عندما ورد الخبر بأنه عُثِر عليه ميتًا في منزله، شعرت بالحزن ولكن لم أتفاجأ.

كنتُ قد نلت لتوي شهادة في الفنون الحرة من جامعة أوكلاهوما، وفكرت لفترة أن أنتقل لمنزله القديم. لم يرده والداي ولم يرغبا في تأجيره، وكان أفضل من أي منزل في نطاق ميزانيتي لسنوات قادمة. أخيرًا، في أبريل من هذا العام، ابتلعت مخاوفي وانتقلت إلى البيت. قرر أخي أن يأتي معي، لأنه انفصل لتوه مع صديقته التي عاش معها، وكان بحاجة إلى مكان يقيم فيه لبضعة أشهر حتى يقف على قدميه. كان المنزل القديم كبيرًا ولم يكن من الصواب أن أرفض.

كان جدي يملك الكثير من المال قبل أن يضيع عقله. لم أره قط خلال نشأتي، إذ كان يعيش على بعد مئات الأميال إلى الجنوب منا في شرق تكساس. ما زلت أتذكر الهدايا التي اشتراها لنا في الكريسماس وأعياد ميلادنا وغيرها. كانت أفضل مما يستطيع آباؤنا شراءه. كما اشترك معي بالمال عندما اشتريت سيارتي الأولى، ووافق على دفع نصف ثمنها طالما لم تكن سيارة يابانية، أو "قدر أرز"، حسب وصفه.

لن يدعي أحد أبدًا أنه كان رجلاً مثاليًا، أو أننا لم نشهد أي خلافات، لكنه ساعدني على شراء سيارة فورد بيكب جديدة، لذا كان واضحًا أنه كان يهتم بنا. كان هذا المنزل هدية عيد ميلاد أخيرة منه، هذا ما قلته لنفسي في يوم انتقالي إلى هناك قبل بضعة أشهر. لم يكن المكان بحالة جيدة، واحتاج الكثير من الصيانة. تمت إزالة غرفة النوم في الطابق العلوي من قبل شرطة سيلفر سبرينغز لأسباب لم أرغب في التفكير فيها، ولكن بخلاف ذلك، كان المكان جيدا.

في ليلتنا الأولى، قمت أنا وبين بإدخال مراتبنا والتلفاز وجهاز إكس بوكس القديم خاصتي. سهرنا لوقت متأخر من تلك الليلة، لأن أيًا منا لم يرغب في النوم. انتهينا من لعبة السباق، التي كانت الوحيدة التي اتفقنا عليها، جلسنا وتحدثنا لبعض الوقت عن مسار حياتنا منذ أن ذهابنا للجامعة. الموضوع الوحيد الذي لم نطرحه أبدًا هو سبب وفاة جدنا.

 

كان رجلاً ذكيًا حتى مع مشاكله، وكان رئيسًا لشركة برمجيات قبل تقاعده. ولم تظهر عليه علامات الشيخوخة إلا في الأشهر القليلة الماضية، وانحدر دماغه بسرعة. قبل شهر من النهاية، كان يتصل بمنزلنا ليتحدث عن ماضيه، وعن رؤيته للشيطان وهو يقف تحت شجرة تفاح عندما كان طفلاً. بعد ذلك، لم يتصل بنا مطلقًا، أو بأي شخص آخر. على ما يبدو فقد مات من الجفاف بعد أن أطفأ جميع الدوائر الكهربائية في منزله ولم يتم ضخ الماء به. أقل ما يقال أن هذه الفكرة كانت مزعجة.

ربما حلمت به في الليلة الأولى، وربما لم أفعل. لم أعد متأكدا الآن. أعلم أنني حلمت به عدة ليالٍ بعدها. أراه في أحلامي يتحول أمام عيني من الرجل العجوز الذي أتذكره إلى جثة جافة. وكأنني أرى شخصا يتم تحنيطه. أنا متأكد أن ذلك كان بسبب مخاوفي وقتها، حيث واجهت تهديدا بالسرطان. كان مزاجي عصبيا، ولم يساعدني أنني وجدت كتلة غامضة في ساقي.

في اليوم التالي، بدأنا نجلب المزيد من الأشياء. لم أملك الكثير من الأغراض، لأنني عشت في مسكن طلبة لأربع سنوات. أما بين جلب حاسوبين والكثير من الكتب، وجهاز مشي. بدا وكأنه هو من يعيش هناك وكنتُ مجرد ضيف. ذهبنا إلى المدينة في وقت لاحق وتناولنا بعض الطعام، بالإضافة إلى العديد من علب البيبسي والبيرة.

عند وصولي ذلك الصباح أدركت أن هناك شيئًا غريبًا في ذلك المنزل.

توقفنا في الممر وخرجنا من سيارة أخي، ولاحظت للمرة الأولى أنني لا أسمع زقزقة للطيور. كان هناك حقل خلف المنزل، يمتد بضع مئات من الأمتار حتى الغابة. كنت أتوقع سماع أصوات الحياة البرية، لكن لم أرى شيئا يتحرك خلف خط الأشجار. ذكرت أمر هذا الهدوء الغريب لبن، فقال مازحًا إن سلندرمان ربما سرق كل الطيور. لكته لاحظ هو الآخر أن الهدوء كان أشد مما كان في اليوم السابق.

جلسنا في تلك الليلة، لكن بن أخرج أحد كتبه الجامعية عن الديمقراطية الأوروبية، لذلك بقيت ألعب لعبة هالو بمفردي. أغلقت الصوت مرة واحدة بعد أن ذهب بن للنوم في غرفته، وأصغيت لصوت صراصير الليل. لم أسمع أيا منها. فتحت نافذتي ونظرت إلى الحقل، حيث تومض اليراعات في هذا الوقت من العام. لا شيء سوى الظلام والنجوم.

ذهبت للنوم في تلك الليلة، وأعلم أنني رأيت أحد تلك الأحلام.

مرت الأسابيع المقبلة بسلام. رتبنا ونظفنا كل شيء في جميع أنحاء المنزل، واكتشفنا صندوقًا يحتوي على أشياء جدي القديمة في العلية. وكان معظمها أشياء من فترة خدمته في اليابان خلال الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك مجموعة من الميداليات. أحدها كان وسام القلب الأرجواني.

أحببت جدي رغم أن ذلك قد لا يظهر من كلماتي. كنت أهتم لأمره حقًا.

بدأنا نواجه المشاكل في منتصف مايو. أتذكر أن بن قال إنه رأى ما يشبه غزالًا أمهق في الغابة. كان يجلس في الشرفة الخلفية ذلك المساء يراقب الغابة. جلست أراقب الغابة معه، ومع حلول الظلام، لمحت شيئًا لجزء من الثانية عند الشجيرات القصيرة، لكنه لم يشبه الغزال. طلبت من بن أن يتبعني إلى المنزل، ولم أهنأ بنومي في تلك الليلة. ذاك المشهد في الغابة طارد خيالي رغم أنني لا أتبيّنه.

في الصباح التالي، ذهبنا في رحلة أخرى إلى المدينة. هذه المرة، ليس لجمع المؤونة، بل لمشاهدة فيلم ظل بن يتحدث عنه لأسابيع. وبهذا عدنا إلى المنزل في وقت متأخر من الليل.

كان ينتظرنا في الممر.

رأيته لثانية واحدة فقط قبل أن تنطفئ الأنوار في سيارتي، لكن بإمكاني أن أتذكر مظهر هذا الشيء لبقية حياتي. بدا كأنه إنسان، طوله حوالي ثمانية أقدام. بدا هزيلًا وجلده مشدود على عظامه وعضلاته، لكنه بدا قويًا جدا. شعر رأسه رقيق وأشعث، وكانت عيناه مجرد حفر سوداء جوفاء. لم أكن قد رأيت مخالبه بعد، إذ كانت محجوبة بمقدمة سيارتي، لكني رأيت أسنانه، وهي أهم ما أتذكره عن هذا الشيء. وكان فمه مفتوحا كأنه منفصل عن جمجمته، وكان مملوءا حتى حافته بالسكاكين.

عندما انقطعت الأنوار، نظر بن إلي، ورأيت نظرة الرعب الخالص على وجهه. كان ذلك الشيء مرئيًا حتى في الظلام، وكان أكثر قتامة من الليل. حدق كل منا بالآخر، ولم يرغب أحد منا في التحرك.

لا أعرف كم كان الوقت لأنني لم أتمكن من رؤية ساعتي، ويحتمل أنها لم تعد تعمل أصلا. ومع ذلك، أصبح واضحا مع مرور الدقائق إلى ساعات أن هذا الشيء يقف هناك لسبب آخر غير التلاعب بنا. لكن بطريقة ما، لم يمكنه رؤيتنا.

تحول لون الفجر إلى الحمرة في الأفق خلف المنزل، وخشيت أن تتحسن رؤيته، لكنه ظل واقفاً مكانه. رأيت بن وهو يبكي على نور الصباح. انهمرت الدموع على وجهه بينما كان هذا الشيء يحدق بنا بلا حراك. تذكرت حينها فيلم جوراسيك بارك الذي شاهدته وأنا صغير.

كان التيرانوصور في الفيلم يقف متفرجًا عندما تبقى فريسته بلا حراك، معتمدًا على تركها تتحرك أولا، لأن دماغه لم يكن مجهزًا لرؤية أي شيء سوى الحركة. ربما لم يكن التيرانوصور هكذا في الحقيقة، ولكن فكرت أن هذا الشيء ربما كان كذلك. وأدركت أن هذا كان سبب وفاة جدي بسبب الجفاف في منزله. قام هذا الشيء بقطع التيار الكهربائي. ثم انتظره.

ارتفعت الشمس في السماء. جلسنا أنا وبن وحدنا في السيارة وظل الشيء يحدق بنا لأربع ساعات أخرى حيث بدأت الحرارة داخل الشاحنة في الارتفاع. لن يعمل مكيف الهواء بدون كهرباء، ولن تنزل النوافذ الكهربائية. كانت الساعة الحادية عشرة عندما نظر بن إليّ وهز رأسه، وفتح الباب قليلاً.

حدقت برعب، لكن بن استدار نحو الباب. وببطء فتحه وخرج. شاهدته وهو يغلق الباب، والشيء يحرك رأسه نحوه. ومع ذلك، لا يبدو أنه أدرك مكانه بالتحديد. تقدم بن إلى الأمام، وكل حركة كانت حذرة ومدروسة. كان على بعد أقل من متر من الشيء الذي شعر بحركة كافية ليوجه رأسه نحوه. كنت أراقبه وهو يمر أمامه، وكان ذلك الشيء ثابتًا وشبه أعمى. كنت على أمل أن بن سيصل إلى المنزل.

ثم داس على غصن.

جمعت كل قوتي كي لا أصرخ وأنا أشاهد ذلك الشيء وهو يقطع المسافة بينه وبين بن بقفزة واحدة، ثم يطرحه أرضا. ثم كشف عن مخالبه التي ظهرت كشفرات. صرخ بن، وسمعت ذلك الشيء يعوي مثل ذئب من الجحيم.

حل المساء قبل أن أعي العالم حولي من جديد. عندها أدركت شيئا. سيارتي تعمل.

انطلقت للخلف بأسرع ما يمكن، متراجعًا عن الممر الطويل اذي يؤدي إلى منزل جدي.

مرّ عامان، ويعتقد الجميع أنه قُتل على يد دب. ظلوا يقولون أن ما رأيته لم يكن ما حدث في الواقع، وأنني أخطأت في تمييز حيوان عادي على أنه وحش. سأتذكر دائمًا نظرة هذا الشيء نحو دائما. لا أعتقد أنني سأنسى أبدًا ما يعيش خلف الأشجار.

 

القصة: Behind the Line of Trees

الكاتب الأصلي: Dr. Malpractice

https://creepypasta.fandom.com/wiki/Behind_the_Line_of_Trees

ترجمة: Mr. Beshebbu

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق