أنت هكذا منذ كان عمرك خمس سنوات. بدأ الأمر برحلة
عائلية إلى مدينة ملاهي. أراد والدك وإخوتك الأكبر تجربة بيت المرح الذي يحتوي على
متاهة المرايا. شققتَ طريقك عبر الزجاج والمرايا وانفصلتَ عنهم. كنتَ مجرد طفل
صغير وحيد في المتاهة فأصابك الخوف. ناديتَ والدك لكنه لم يظهر في أي مكان. شعرتَ
بالذعر وركضتَ عبر المتاهة، تصطدم بالألواح الزجاجية وتجفل عند رؤية انعكاسك
المشوه على المرايا العديدة المحيطة بك.
فجأة ترى نور الشمس أمامك. تركض نحوه بأقصى سرعة. لكنك
تصطدم بوجهك عند المنعطف – مرآة أخرى. تسقط على الأرض وتحسّ بالألم في رأسك بينما تتموج
صور المرايا أمام عينيك. تحس بشيء دافئ ورطب على وجهك. ثم تراه: خيال غامض بظهر انعكاسه
في المرآة، ويقبع خلفك بحوالي عشرين قدمًا.
"أبي؟" يتردد صوتك بهدوء. لا تسمع ردا.
يقترب الخيال منك بحركة متعرجة وكأنه بندول. تلتفت حولك فلا ترى إلا ممرا فارغا. تقف على قدميك
وتسند نفسك على الزجاج البارد. تنظر إلى رأسك في المرآة فيلقاك منظر مروع. وجه
فظيع، طويل ورمادي وأجعد، ذو فم داكن وتجويف مكان العينين. تتحرك شفاهه السوداء وترتفع
يده الطويلة ببطء. أطلقتَ صرخة.
لا تتذكر كيف خرجتَ من هناك. لكن حتى اليوم، فإن
منظر المرايا وأي شيء ينعكس فيها يبعث في داخلك فقشعريرة رهيبة تخترق عظامك وأنت
تتذكر صوت أنفاس ذلك المخلوق.
يقول بعض الناس: “أنا لا أخشى الظلام، بل أخشى ما
فيه". هذه حالة مماثلة. أنت تخشى ما يكمن داخل المرآة – أو ما وراءها. ماذا
لو خرج شيء من المرآة؟ أو رأيت شيئاً لا تتمنى رؤيته؟ وبالطبع، ماذا لو ظهر ذاك المخلوق
من الماضي مرة أخرى؟
خضعت للعلاج النفسي لستة عشر عامًا، لكن هذا لم يفيد.
يعتقد الطبيب أنك تعرضت لإصابة عندما ضربت رأسك في بيت المرح، وتسببت في الهلوسة
والارتياب. سماه "اضطراب ذهاني بسبب إصابة قاسية في الدماغ". أعطاك حبوبا
وتمارين عقلية، ولكن دون جدوى.
الحياة مع والديك عذاب. يبدو أن جميع الغرف تحتوي
على سطح عاكس. رغم كل مناشداتك للتخلص من المرايا، فلا يبدو أن والديك يفهمان ذلك
أو يهتمّان. استقل إخوتك بمنازلهم منذ زمن، وقررت أن دورك قد حان لتفعل بذلك. تريد
مكانًا خاصًا بك بلا مرايا.
ظللتَ تبحث عن منزل لثلاثة أشهر، ثم نلت مرادك. منزل
من طابقين في بلدة مجاورة، وسيكون لك مقابل إيجار قدره خمسمائة دولار شهريًا. تتصل
بالمالك وتحدد موعدا لتفقد البيت. تنتظر بفارغ الصبر.