الأحد، 20 أغسطس 2023

إكبار بيغلشتاين

 


كنت أخاف الظلام وأنا صغير. ما.زلت أخشاه، لكن عندما كنت في السادسة، لم أقدر على نوم الليل دون أترجّى من أحد والديّ أن يبحث تحت سريري أو داخل خزانتي عن أي وحش قد يخرج ويأكلني. حتى عندما أنام والمصباح مضاء، أرى ظلالا تتحرّك في زوايا الغرفة، أو أرى وجوها غريبة تنظر إليّ من نافذة غرفتي. فعل والداي ما بوسعهما لتهدئة روعي وإقناعي أن هذا ليس سوى كابوس أو خيالا في الخارج، لكن عقلي الصغير كان مقتنعا أن أشياء سيئة ستحصل لي حالما أنام. وفي أغلب الأحيان أختفي تحت البطانية حتى ينال الإنهاك مني وأنام، لكن بين الحين والآخر يصيبني الهلع وأصرخ وأهرب إلى غرفة والديّ، وأوقظ أخي وأختي بصراخي. لم أهنأ بعدها بنومي لليلة كاملة.

في النهاية، لم يحتمل والداي من الأمر أكثر، ولكن التفاهم مع طفل في السادسة بالعقل والمنطق لم يكن سهلا، فاتجهوا للحيلة.

أتت أمي بفكرة، وهي صنع صديق من القماش يرافقني أثناء نومي.

جمعت عدة قطع من النسيج وخاطتها لتصنع ما سمّته السيد "إكبار بيغلشتاين". كان إكبار وحشا من الجوارب كما وصفته أمي، وسيحميني خلال نومي ويخيف الوحوش الأخرى. كان مخيفا بعض الشيء، وما زلت متعجبا كيف فكّرت أمي بصنع شيء غريب ومزعج كهذا. بدا وكأن الدكتور فرانكشتاين صنع عفريتا صغيرا من القماش، وكانت عيناه عبارة عن أزرار بيضاء كبيرة وآذان متدلية. صنعت ذراعه ورجلاه الصغيرتين من جوارب أختي المخططة بالأسود والأبيض، وكان نصف وجهه أخضرا وصنع من أحد جوارب أخي الرياضية الطويلة. كان رأسه منتفخا، وخاطت أمي قطعة من النسيج الأبيض بشكل متعرّج لتشكل ابتسامة تظهر فيها أسنانه الحادة. 

الاثنين، 24 يوليو 2023

أنورا بتروفا


إلى: Breeiceq@---------.com

الموضوع: بري أرجوك أن تقرئي هذا

بري لا تمسحي رسالتي

أعلم أنك تكرهينني، ولكننا كنا أعز الأصدقاء في يوم ما وأترجاكِ أن تقرأي كلامي. أعتقد أنني وقعت في مشكلة كبيرة ولا يسعكِ فعل شيء لمساعدتي، ولكن أتمنى أن تقرئي المكتوب حتى تفهمي الأمر.

أعلم أننا لم نتحدث منذ مباريات القطاعات. مر زمن طويل، ولكن ما حدث لكِ لم يكن خطأي. على الأقل لم يكن خطأي تماما. أعلم أن الجميع يرى الأمر كذلك، ولكني لم أكن لأتسبب بأذيتك أبدا.

قد يبدو الأمر جنونا، ولكن أنا بحاجة لإخباركِ بالأمر حتى يعلم شخص ما بما حدث.

بدأ الأمر عندما كنّا في الصف الثامن. كانت الليلة قبل مسابقة كريستال كلاسيك. كنت في المنزل ولم أستطع النوم لأنني أعصابي كانت مشدودة بسبب المنافسة. نهضت وشغّلت حاسوبي لأتصفح الإنترنت، ولكن لم أتمكن من التركيز على شيء، بل جلست هناك فقط، لذلك بحثت عن اسمي في قوقل.

ما كان يجب أن أفعل هذا. في البداية وجدت كل الأشياء المعتادة التي يجدها المرء عندما يبحث عن نفسه. ثم وجدت وصلة لمقالة عني في ويكيبيديا.

الاثنين، 10 يوليو 2023

وعاء القطة

 

تستيقظ في منتصف الليل. قطتك تنام مرتاحة وراء ركبتيك. ترقد تحت البطانية التي تمنح الدفء لجسدك المنهك. تتنهّد براحة. تقرّر أن تعود مجددا للنوم اللذيذ، ثم يفاجئك فحيح قطتك التي تهرب من سريرك وتختفي وراء الستائر.

لم تتصرف القطة بهذه الغرابة من قبل. تنظر حولك في الغرفة بحثا عما أخافها ولكنك لا تجد أي شيء خارج عن المألوف. تبقى يقظا لتسمع ما هو مريب في الغرفة. تسمع صوت قطتك وهي تشرب الماء من وعائها في الخارج، وكانت تصدر صوت الشرشفة المقرف الذي يزعجك دائما. ترتاح لأن الأمور بخير، وتستلقي مجددا وتسحب البطانية إلى ذقنك.

ولكن قبل أن تغمض عينيك، ترى ظل قطتك وهي تختبئ تحت مكتبك وشعرها واقف. تشهق فزعا. إذا لم تكن قطتك هي التي تشرب الماء فمن أين يأتي هذا الصوت؟

الأربعاء، 28 يونيو 2023

فن جاكوب إيموري

 

لن أخبركم قصة عن الأشباح، فلا نملك أيا منها. ولكن عندنا قصة جاكوب، وبإمكاني القول أنها أقرب ما لدينا لحكايات الأشباح. لا يُفترض بي أن أخبركم، لكني سأرويها.

كيف أصف جاكوب إيموري؟ أظن أنه من الناس الذين يمرّون بجانبك ولا تلحظ وجودهم. لا أقول أنه كان فتى سيئا، إذ أن العديدين في هذه البلدة رأوا أنه أفضل من يقوم بالأعمال الصغيرة في الجوار، ولكنه لم يختص بأي شيء. وقد يرجع السبب إلى افتقاده للعزم نحو النجاح.

كان يعمل في كل ما قد توفّره هذه البلدة، صيانة السيارات أو العمل الإذاعي أو إدارة المتاجر، لكنه لم يثبت على شيء. لطالما تساءل أصدقاؤه وزملاؤه عن سبب هذا، لكنهم يتلقون نفس الرد الباهت: “لم يكن هذا كافيا بالنسبة لي". لا حاجة للقول أن من تبقى من أصدقائه إما صبروا عليه أو لم يهتموا.

سافر جاكوب للخارج، ربما كان هذا محتما بما أن هذه البلدة الصغيرة لم تعد ترضيه. لا أتذكر إلى أين ذهب، ولكني أعتقد أن جيرترود التي عاشت في آخر الشارع كان تعرف قبل أن ترحل عن هذه الدنيا، ولهذا عليكم تقصي الأمر من شخص آخر إن راودكم الفضول. بأي حال، لم يحاول أحد منعه، إذ أن الجميع رأوا أن هذه الرحلة الصغيرة ستزيل الطموح من عقله. حتى أننا أقمنا له حفلة وداع.

لا أتذكر كم بقي في الخارج. ربما ست أو سبع سنوات. عليكم أن تستقصوا شخصا آخر بشأن هذا أيضا. لكنه رجع في النهاية وبدا عليه التغيير. كان ودودا ويبتسم دائما، وكان مفعما بالنشاط والحيوية، وعرفنا السبب بسرعة. أخرج تذكارا جلبه من سفره – عود أسود صلب، بطول قلم الرصاص وبقوام الطباشير. تساءلنا جميعنا عن السبب الذي جعل هذا الشيء البسيط يملؤه بالبهجة، حتى قدّم لنا عرضًا. أخذ قطعة ورق ورسم دائرة بسيطة بهذا العود.

الثلاثاء، 6 يونيو 2023

الجسر المعلق

 


هذه قصة حكاها لي صديق ياباني. أقسم لي أنها حقيقية تماما، ولكنه رفض أن يخبرني أين حدثت بالضبط. زعم أن شخصين ماتا في هذه الحادثة وتم استجوابه من قبل الشرطة عدة مرات. 

كان وقتها في السابعة عشر من عمره وحصل على وظيفة صيفية في متجر للأدوات الكهربائية. في أحد الأيام، قرر المدير أخذ العاملين معه إلى العشاء بعد العمل. يقع المطعم المقصود على مقربة من قمة الجبل، ولكي يصلوا إليه فعليهم عبور جسر معلق قديم ينتصب فوق وادٍ عميق. 

كان عددهم خمسة فقرروا أخذ سيارتين. قاد المدير السيارة الأولى في المقدمة مع ولدين، بينما قاد صديقي السيارة الأخرى خلفهما ومعه زميل آخر. 

انطلقوا بعد انتهاء الدوام مباشرة، لكن المدير سلك منعطفا خطأ، وبهذا وصلوا إلى الجسر في وقت الغسق. هطل وقتها مطر خفيف ولف الضباب الجسر. قاد المدير سيارته عبر الجسر وتبعه صديقي، ولكن المدير توقف فجأة في منتصف الجسر. 

تعجب صديقي وزميله من الأمر ولم يفهم لم فعل المدير هذا. انتظرا لبضع دقائق قبل أن ينفد صبرهما. بقيت السيارة الأخرى جامدة مكانها دون حراك، فهمّ صديقي بالخروج ليرى ما المشكلة. 

الجمعة، 26 مايو 2023

حفظ النفس

 

إن كان أحد يقرأ هذا، فأتمنى أن أكون قد رحلت عن الدنيا منذ زمن طويل. لقد مر شهران الآن منذ أن ضرب النيزك ولاية مسيسيبي. لقي الحدث اهتماما كبيرا، اجتمع المنجمون والفلكيون وغيرهم ليلقوا نظرة. أخذوا عينات من الصخور وأرسلوها إلى المتاحف في جميع أنحاء العالم.

حتى أنا فكرت بالقدوم لألقي نظرة، لكن كانت لدي مقابلة عمل. لو لم يتصل بي صاحب العمل في اليوم السابق، لكنت ميتًا الآن. بعد ثلاثة أيام من الحدث وتلاشي الضجيج الإعلامي، لم تذكر الأخبار شيئًا عن النيزك لبضعة أيام.

سمعت الخبر التالي بعد عودتي من الحانة واستمعت لأخبار آخر الليل. أتى خبر عاجل.

قال المراسل القلق أن كل من كان قرب موقع سقوط النيزك قد تم نقله إلى المستشفى. كانت أعراضهم مماثلة لتحلل الجثث.

الاثنين، 15 مايو 2023

ذكرى عابرة

 


عندما أفكر بذكرياتي الأولى، لا أجد شيئا واضحا. مجرد صور ضبابية تتبادر إلى الذهن، وكل صورة مرتبطة بمشاعر وعواطف معينة. تغلفها صبغة روحانية تشبه الحلم، وربما أعتبرها هدية من عقلية الطفولة. على سبيل المثال، كان مجيء بابا نويل في عيد الميلاد هو تجربة ملؤها الفرح الخالص وتضيع مع البلوغ.

قد يستحيل وضع هذه الذكريات في أي سياق. إنها فقط موجودة، وتسكن شقوق الدماغ دون سبب. أشعر بالراحة عندما أتذكر لعبي بلحية أبي في غرفة أرضها من الألواح الخشبية، وكان يبتسم في وجهي. أو الدهشة عندما أرى صفا طويلا من النمل يسير في الفناء. أفكر ببعضها الآن فلا تبدو لي حقيقية. هل سقطتُ بالفعل من تلك الشجرة بجانب البحيرة وأحط على قدميّ دون أي خدش؟ أم كان لك حلما؟

لا أعتقد ذلك. أنا أتذكر بضعة أحلام، لكن هناك فرق واضح بينها وبين الواقع. لا أعرف كيف لي أن أميّز الفرق. ولهذا السبب هناك ذكرى واحدة لطالما أزعجتني. كانت التجربة غريبة، ومع ذلك هناك تفاصيل تظهر واضحة.