الأربعاء، 28 يونيو 2023

فن جاكوب إيموري

 

لن أخبركم قصة عن الأشباح، فلا نملك أيا منها. ولكن عندنا قصة جاكوب، وبإمكاني القول أنها أقرب ما لدينا لحكايات الأشباح. لا يُفترض بي أن أخبركم، لكني سأرويها.

كيف أصف جاكوب إيموري؟ أظن أنه من الناس الذين يمرّون بجانبك ولا تلحظ وجودهم. لا أقول أنه كان فتى سيئا، إذ أن العديدين في هذه البلدة رأوا أنه أفضل من يقوم بالأعمال الصغيرة في الجوار، ولكنه لم يختص بأي شيء. وقد يرجع السبب إلى افتقاده للعزم نحو النجاح.

كان يعمل في كل ما قد توفّره هذه البلدة، صيانة السيارات أو العمل الإذاعي أو إدارة المتاجر، لكنه لم يثبت على شيء. لطالما تساءل أصدقاؤه وزملاؤه عن سبب هذا، لكنهم يتلقون نفس الرد الباهت: “لم يكن هذا كافيا بالنسبة لي". لا حاجة للقول أن من تبقى من أصدقائه إما صبروا عليه أو لم يهتموا.

سافر جاكوب للخارج، ربما كان هذا محتما بما أن هذه البلدة الصغيرة لم تعد ترضيه. لا أتذكر إلى أين ذهب، ولكني أعتقد أن جيرترود التي عاشت في آخر الشارع كان تعرف قبل أن ترحل عن هذه الدنيا، ولهذا عليكم تقصي الأمر من شخص آخر إن راودكم الفضول. بأي حال، لم يحاول أحد منعه، إذ أن الجميع رأوا أن هذه الرحلة الصغيرة ستزيل الطموح من عقله. حتى أننا أقمنا له حفلة وداع.

لا أتذكر كم بقي في الخارج. ربما ست أو سبع سنوات. عليكم أن تستقصوا شخصا آخر بشأن هذا أيضا. لكنه رجع في النهاية وبدا عليه التغيير. كان ودودا ويبتسم دائما، وكان مفعما بالنشاط والحيوية، وعرفنا السبب بسرعة. أخرج تذكارا جلبه من سفره – عود أسود صلب، بطول قلم الرصاص وبقوام الطباشير. تساءلنا جميعنا عن السبب الذي جعل هذا الشيء البسيط يملؤه بالبهجة، حتى قدّم لنا عرضًا. أخذ قطعة ورق ورسم دائرة بسيطة بهذا العود.

الثلاثاء، 6 يونيو 2023

الجسر المعلق

 


هذه قصة حكاها لي صديق ياباني. أقسم لي أنها حقيقية تماما، ولكنه رفض أن يخبرني أين حدثت بالضبط. زعم أن شخصين ماتا في هذه الحادثة وتم استجوابه من قبل الشرطة عدة مرات. 

كان وقتها في السابعة عشر من عمره وحصل على وظيفة صيفية في متجر للأدوات الكهربائية. في أحد الأيام، قرر المدير أخذ العاملين معه إلى العشاء بعد العمل. يقع المطعم المقصود على مقربة من قمة الجبل، ولكي يصلوا إليه فعليهم عبور جسر معلق قديم ينتصب فوق وادٍ عميق. 

كان عددهم خمسة فقرروا أخذ سيارتين. قاد المدير السيارة الأولى في المقدمة مع ولدين، بينما قاد صديقي السيارة الأخرى خلفهما ومعه زميل آخر. 

انطلقوا بعد انتهاء الدوام مباشرة، لكن المدير سلك منعطفا خطأ، وبهذا وصلوا إلى الجسر في وقت الغسق. هطل وقتها مطر خفيف ولف الضباب الجسر. قاد المدير سيارته عبر الجسر وتبعه صديقي، ولكن المدير توقف فجأة في منتصف الجسر. 

تعجب صديقي وزميله من الأمر ولم يفهم لم فعل المدير هذا. انتظرا لبضع دقائق قبل أن ينفد صبرهما. بقيت السيارة الأخرى جامدة مكانها دون حراك، فهمّ صديقي بالخروج ليرى ما المشكلة. 

الجمعة، 26 مايو 2023

حفظ النفس

 

إن كان أحد يقرأ هذا، فأتمنى أن أكون قد رحلت عن الدنيا منذ زمن طويل. لقد مر شهران الآن منذ أن ضرب النيزك ولاية مسيسيبي. لقي الحدث اهتماما كبيرا، اجتمع المنجمون والفلكيون وغيرهم ليلقوا نظرة. أخذوا عينات من الصخور وأرسلوها إلى المتاحف في جميع أنحاء العالم.

حتى أنا فكرت بالقدوم لألقي نظرة، لكن كانت لدي مقابلة عمل. لو لم يتصل بي صاحب العمل في اليوم السابق، لكنت ميتًا الآن. بعد ثلاثة أيام من الحدث وتلاشي الضجيج الإعلامي، لم تذكر الأخبار شيئًا عن النيزك لبضعة أيام.

سمعت الخبر التالي بعد عودتي من الحانة واستمعت لأخبار آخر الليل. أتى خبر عاجل.

قال المراسل القلق أن كل من كان قرب موقع سقوط النيزك قد تم نقله إلى المستشفى. كانت أعراضهم مماثلة لتحلل الجثث.

الاثنين، 15 مايو 2023

ذكرى عابرة

 


عندما أفكر بذكرياتي الأولى، لا أجد شيئا واضحا. مجرد صور ضبابية تتبادر إلى الذهن، وكل صورة مرتبطة بمشاعر وعواطف معينة. تغلفها صبغة روحانية تشبه الحلم، وربما أعتبرها هدية من عقلية الطفولة. على سبيل المثال، كان مجيء بابا نويل في عيد الميلاد هو تجربة ملؤها الفرح الخالص وتضيع مع البلوغ.

قد يستحيل وضع هذه الذكريات في أي سياق. إنها فقط موجودة، وتسكن شقوق الدماغ دون سبب. أشعر بالراحة عندما أتذكر لعبي بلحية أبي في غرفة أرضها من الألواح الخشبية، وكان يبتسم في وجهي. أو الدهشة عندما أرى صفا طويلا من النمل يسير في الفناء. أفكر ببعضها الآن فلا تبدو لي حقيقية. هل سقطتُ بالفعل من تلك الشجرة بجانب البحيرة وأحط على قدميّ دون أي خدش؟ أم كان لك حلما؟

لا أعتقد ذلك. أنا أتذكر بضعة أحلام، لكن هناك فرق واضح بينها وبين الواقع. لا أعرف كيف لي أن أميّز الفرق. ولهذا السبب هناك ذكرى واحدة لطالما أزعجتني. كانت التجربة غريبة، ومع ذلك هناك تفاصيل تظهر واضحة.

الجمعة، 5 مايو 2023

الدرج

 

في عام 1984، عاشت أرملة عجوز وحيدة في منزل من طابقين. كانت مقعدة وتقضي كل حياتها على كرسي متحرك. كانت تستعين بممرضة تزورها كل يوم لتساعدها في مهامها اليومية، وهذا منذ أن توفي زوجها بطريقة غامضة.

ما صعّب الأمر أن الطابقين يتصلان بدرج قديم متهالك. إذا احتاجت السيدة للتنقل بين الطابقين، تعيّن على الممرضة أن تحمل جسد الأرملة الواهن مثل طفل في الصعود والهبوط. ثم حدث أن تلقت الشرطة مكالمة من الأرملة عن حدوث جريمة قتل.

الخميس، 27 أبريل 2023

غاي كاو

 

هناك أوقات في الحياة يشعر فيها المرء بعدم الأمان. يتغلغل هذا الإحساس في داخله، ولا يقدر على تهدئته مهما فعل. يبحث عن شيء من العزاء. ملجأ من العواصف العاتية التي تسعى لسحقه. البعض يتغلب على العواصف برصانة، بأن يتشبثوا بشيء من الإيمان بأن تلك اللحظة ستمرّ، أكان ذاك الإيمان إلهيا أم غير ذلك. بينما يفقد آخرون ما يتبقى من عقلهم، ويتطور الارتياب عندهم إلى جنون. مثل الرعد الذي يحل ليكمل العاصفة. لكن هناك خيار ثالث لا يعرفه سوى القلة. يسميه التايوانيون طقس غاي كاو.

ولتبدأ هذا الطقس القديم، يجب عليك أولاً أن تركب أمواج الحزن التي تقذف بك في عواصف الأسى. عندما تشعر أنك في أشد حالات اليأس، ابحث عن مكان يتردد عليه كثير من الناس في وقت واحد. فناء مقهى، صالة بولينغ، حديقة عامة. أي مكان تترك فيه البشرية بقايا من أرواحها. هذه أماكن تحمل قوة عظيمة، وستساعدك في جهودك. من الأفضل أيضًا أن تقوم بذلك قبل الساعة 8:24 من مساء 26 أكتوبر، حيث سيكون الكاو في أقصى قوته.

بمجرد أن تأتي إلى المكان، اجلس بهدوء وقم بأي نشاط عادي. اقرأ الجريدة أو قلب قهوتك. لا تتحدث إلى أحد وإلا ستذهب جهودك سدى. يجب أن تكون في حالة تأمل تام حتى يتمكن عقلك من التركيز على القلق الذي بداخله.

ستدرك سريعا أن أصوات العالم أصبحت باهتة. ستختفي موسيقى المقهى وأصوات المحركات. في هذه اللحظة، يجب أن تنظر للأسفل. هذا يرمز إلى نهج غاي كاو، روح الأمان، وإن لم تظهر احترامك بأن تغضّ بصرك فستحدث عواقب وخيمة. من هنا فصاعدًا، يجب أن تفعل بالضبط ما أقوله. لا تنحرف عن هذه الخطوات، وسأخبرك بما سيحدث لاحقًا إن فعلت.

السبت، 15 أبريل 2023

البستان


 

أنت في غرفة غريبة. لا تتذكر كيف وصلت إلى هنا، لكنك تعلم أنك لا ترغب بالبقاء هنا. من الأفضل لك أن تغادر. تستدير وتجد نفسك في حديقة مغلقة بها صف من أشجار البرتقال على اليسار، وصف من أشجار التفاح على اليمين. تجد خلفك بابا تغطيه الأقفال. لا تجد أي مفاتيح، فتتجه إلى الاتجاه الوحيد المتاح لك.

تسير على طريق ترابي صغير، وتتطلع إلى العدم الذي ينتظرك في نهاية هذا الطريق. كلما تقدمت في طريقك، كلما أصبحت الفاكهة شهية وجذبتك رائحتها الزكية. رغم هذا فإنك تحس أنه لا يجب أن تقترب من تلك الأشجار، والأفضل أن تتركها وشأنها.

تفكر بالعودة أدراجك ولكنك تستمر حتى النهاية. تلاحظ أن يديك تشيخان وتتحولان إلى قشور ذابلة، ويصعب عليك التنفس من أنفك. تقرر العودة إلى البداية حيث وجدت نفسك، وتعود يداك إلى طبيعتهما.

تبدأ الثمار بالذبول كلما تقدمت نحو نقطة البداية. تشاهد التفاح وهو يتحول من لونه الأحمر الجميل إلى لون رمادي جاف. كل برتقالة تفقد قشرتها وتنكمش بحيث يختفي منها كل العصير، فتتحول إلى ثمرة جافة وعفنة.