الاثنين، 12 فبراير 2024

داخل الظلام

 


بدأ كل شيء بعد انتقالي إلى منزلي الجديد. أعلم أنها فكرة مستهلكة، ولكن هذا ما حدث. لم أختبر أبدًا أي خوارق طبيعية من قبل، ولم أتوقع أبدًا حدوث أي شيء غريب.

استأجرته بسعر رخيص. لم أستغرب ذلك لأنه قديم وليس في حي راقي، وبهذا رأيت أنها صفقة رابحة. نقلتُ كل أشيائي إليه، وسارت حياتي بخير لفترة.

لا أذكر كيف بدأ الأمر بالضبط لأنه كان بسيطا جدًا وقتها. أترك المصباح مضاءً في المطبخ أو الحمام وأعود لأجده مطفأ. فكرت أنني أنسي إطفاءه. بعد فترة، بدأت أستغرب ما يحدث، وتركت بعض المصابيح مضاءة عن عمد. في بعض الأحيان، لا يحدث شيء. وفي أحيان أخرى، أعود فأجدها مطفأة.

اكتشفتُ عندها أن هناك شيئًا مريبا. لم أكن خائفًا، بل محتارا فحسب. فكرت أن هناك خللا في الأجهزة، فقمت بترك مصابيح أخرى مضاءة (وهو ما أهلك فاتورة الكهرباء) حتى ألاحظ أي علامة على انطفائها بشكل عشوائي. وهنا بدأت الأمور تأخذ منعطفًا آخر.

أول مرة أتذكر فيها حدوث شيء مجنون هي عندما تركت مصابيح المطبخ وغرفة المعيشة مضاءة وذهبت لأنام. استيقظت على صوت زئير خافت قادم من المطبخ. أتذكر أنني استيقظت وفكرت أن حيوانا دخل منزلي. نظرت عبر الممر باتجاه غرفة المعيشة (وهي متصلة بالمطبخ) لأرى المكان مظلما. قام أحد ما بإطفاء نور المطبخ. سمعت زئيرا خافتا آخر، وهذه المرة أتى من غرفة المعيشة. كدت أصرخ عندما رأيت شيئًا يجري بسرعة خاطفة داخل غرفة المعيشة ثم أطفأ مصباحها. لم أستطع تحديد ماهيته. بدا كظل أسود أو ما شابه. لم يكن هذا مهمًا. خرجتُ من سريري وأشعلت مصباح غرفة النوم، متوقعًا وجود شيء فيها وأنه يريد الانقضاض عليّ.

الأحد، 28 يناير 2024

مجرد كابوس آخر

 

تصحو من كابوسك. ساقك تتشنج. غرفتك مظلمة لا نور فيها باستثناء وهج الساعة الأحمر. الساعة الثالثة والنصف صباحا. هل ظننت أنك ستهنأ في نومك؟ ليس الآن، عليك أن تستعد للعمل في السادسة.

حسنا. علامَ ستلوم كابوسك هذه المرة؟ أهو السهر حتى الفجر بالأمس وأنت تحاول جذبها عبر الفيسبوك؟

نعم هذا هو السبب. عقلك ببساطة يطلق غضبك وكل ما لا تفهمه داخل أحلامك. أو ربما لأنك تبقى مستيقظًا حتى منتصف الليل وتشاهد التلفزيون. لم تنل إلا ست ساعات من النوم في الليلة السابقة، وعقلك المحروم من النوم لا يفهم ما يجري. ولكنه مجرد كابوس، لماذا تحاول أن تفهمه؟

الخميس، 18 يناير 2024

السيد أراتا

 

هل سبق أن عادت بك الذكريات إلى سنوات طفولتك وتساءلت أي من ذكرياتك هي حقيقة وأيها من صنع خيالك؟ هل راودتك ذكرى وفكرت أنها كانت مجرد حلم؟ عقولنا قادرة على فعل الكثير، ولست متأكدًا مما حدث بالضبط خلال طفولتي.

أتذكر سنوات روضة الأطفال، وأنني كنت أكرهها. لكن ذاك شعور حيال الروضة تجاوز الكراهية بحلول نهاية العام. لا تزال الذكريات المبهمة من تلك الأيام تطفو في ذهني من حين لآخر. أتذكر رؤيتي لأشياء كانت أكبر من فهمي وإدراكي. صور وأصوات غامضة بالكاد أتذكرها. كنت أعاني الكوابيس سابقا. أعتقد أن ما يخيفني الآن هو ذكرى الأحاسيس من ذلك الوقت.

عثرت مؤخرًا على ألبوم صور قديم من سنوات الروضة وأعادني بالزمن. رأيت صورة معلمي. كان رجلاً يابانيًا عجوزًا يدعى السيد أراتا. كان غريب الأطوار. لم يبدو ودودًا أبدا مع الأطفال، بل كنا جميعا نكرهه. كان السيد أراتا سريع الانفعال وكثير الغضب، لكنه بالتأكيد يعدّل سلوكه عندما يراقبه مدير المدرسة أو مدرسون آخرون.

أتذكر في أحد الأيام حين أخبرتني أمي أن أحد زملائي في الصف قد اختفى. كانت تشاهد الأخبار بقلق. ثم أخرجتني من المدرسة عندما اختفى طفل ثان في صفي. قالت أنها ستعيدني عندما يعود الوضع آمنًا. فرحت لغيابي عن المدرسة. كنت صغيرا ولم أفهم ما يعنيه اختفاء طفل. عدت للصف بعد فترة. تم العثور على الأطفال، لكنهم لم يعودوا للمدرسة وانتقلوا لسبب لا أعرفه. سمعت زميلة في الفصل تقول أن الأطفال المختفين لم يتذكروا ما حدث لهم. قالت أنهم "تعرضوا لجرح تحت سرّتهم وتمت خياطة الجرح". كانت تعرف هذين الطفلين جيدًا. أعتقد أن اسمها كان كاتي أو كيتي. افترضت أنها كانت تكذب فحسب. حتى وأنا بعمر السادسة، لم أكن ساذجًا كفاية لأصدق هذا الكلام.

الأحد، 7 يناير 2024

التبخر

 

الماء هو المكون الأساسي في الحياة. يروينا ويروي محاصيلنا وماشيتنا. إنه حيوي لجميع أشكال الحياة المعروفة. نعتمد عليه لغسل سياراتنا وطعامنا وإنتاج طاقتنا. له تأثير على كل نشاط في حياتنا اليومية. وبدونه تتوقف الحضارة. ستنهار الحكومات أمام عدو لا يهزم هو الجفاف. وتبقى مسألة أيام قبل أن يموت كل كائن حي على الأرض. باختصار، لن نعيش دون الماء.

بدأت تلك المحنة قبل يومين بالضبط.

لا أعرف كيف بدأ الأمر. لا أحد من الناجين يعرف. تراوحت النظريات بين شبه المعقولة كأن يكون نوعا جديدا من غازات الدفيئة، إلى المضحك كأن يكون السبب أشعة غامضة تبخّر الماء فقط. أتذكر تلك الساعات بحنين، فلم نتبيّن وقتها مقدار هول الأمر، ولم يُحكِم الهلع قبضته على الجنس البشري بعد.

ما الذي حدث؟ سأشرح لكم ببساطة. لا أعتقد أنني سأوفي الأمر حقه، لكن سأحاول.

أول شيء هو أن كل قطرة ماء عذبة على الكوكب قد تبخرت.

هل لكم أن تخيلوا أن جميع الأنهار والبحيرات وكل مصدر طبيعي للماء قد جفّت تماما ودون تفسير منطقي؟ أشك أنكم ستفهمون، لكن هذا ما حدث بالضبط. لم يقتصر هذا على المصادر الطبيعية. حسب علمي، فكل زجاجات المياه في العالم تبخرت أيضًا، وكذلك خزانات المياه والمصادر الأخرى. كما اختفى الماء من المواد الأخرى كالمشروبات الغازية، لتصبح مجرد مركبات سكرية كريهة تصيب من يتناولها بالغثيان. لم تبق قطرة ماء عذب واحدة في أي مكان على الأرض.

الأربعاء، 13 ديسمبر 2023

المسرح

 


هل سمعتم يوما عن لعبة قديمة تدعى ((المسرح))؟

لا أظن هذا. ربما لأن الكثيرين يقولون إنها غير موجودة أصلا.

المسرح أو The Theater هي لعبة قديمة تم إصدارها في نفس زمن إصدار لعبة Doom. إن عثرت عليها اليوم، لن تجدها سوى على أقراص CD-ROM مقرصنة، وفي أغلب الأحيان لا تحتوي حتى على اللعبة.

يقال أن النسخ الأصلية تحمل غلافا فارغا لا يحمل إلا رسم إنسان أُطلق عليه اسم ((محصّل التذاكر)). هو ببساطة رجل أبيض أصلع، وله شفاه حمراء كبيرة ويرتدي سترة حمراء على قميص أبيض وسروال أسود. لا يحمل تعابيرا على وجهه، وإن قال البعض إنه إذا ضَربتَ القرص ونظرت إلى الغلاف من جديد فسيظهر عليه الغضب، ولكن لا أساس لهذا الكلام. الأمر الغريب هو أن غلاف اللعبة لا يحمل اسم المطوّر أو وصف اللعبة في أي مكان. لا يظهر سوى محصّل التذاكر على خلفية بيضاء على الجانبين.

اشتهرت اللعبة في البداية باستحالة تثبيتها بشكل صحيح. يتجمد الحاسوب ما إن تصل عملية التثبيت إلى شاشة الترخيص والموافقة. الغريب أيضًا في إعلان الترخيص أن الاسم الشركة المطوّرة لا يظهر فيه أيضا، بل أن مكان الاسم فارغ. ولكن يقول من زعموا امتلاكهم لإحدى النسخ الأصلية أنهم اكتشفوا الطريقة الصحيحة لتثبيت اللعبة، وذلك بإعادة تشغيل الجهاز حالما يصل لاتفاقية الترخيص وترك القرص بالداخل. ثم يضغطون على زر الموافقة عند بدء التشغيل ويواصلون التثبيت.

الثلاثاء، 28 نوفمبر 2023

تلك الليلة في المرآة

 

سأخبركم من الآن أن قصتي لن تفضي إلى أي ذروة دراماتيكية أو جواب نهائي. وإن أملتم بخاتمة لا تزعجوا أنفسكم بقراءتها. حدثت قصتي في لحظة واحدة من حياتي. حاولت أن أتجاهلها قدر استطاعتي أو أقول أنها خدعة من عقلي الذي كان مرهقا أو دخل في هفوة إلى مخاوفي الطفولية، ولكنني لم أقدر.

أعتقد أن الخوف من المرايا شائع في يومنا هذا. أتذكر في طفولتي أنني رأيت أحد برامج الرعب على التلفزيون، التي تعرض بضع قصص قصيرة في الحلقة الواحدة. أتذكر البرنامج الآن ولا أراه بذاك الشيء المرعب، وإذا رأيته اليوم فربما سأدعو أصدقائي لنسخر من سخافة التمثيل أو القصة.

كل ما أتذكره من المسلسل هو قصة رجل يعاني العذاب من سفاح مجنون، لكنه لا يراه إلا عندما ينظر في المرآة. كانت الحلقة عبارة عن قصة طويلة حول الرجل الذي يلمح السفاح في المرآة خلف ظهره، ثم يلتفت ولا يرى شيئًا.

الثلاثاء، 14 نوفمبر 2023

عيون مرهقة

 


كان عمري خمسة عشر عامًا عندما حدث هذا. كانت أختي في الخامسة من عمرها، وفي عيد ميلادها الخامس تلقت دمية من النوع الذي يشبه صاحبها. كانت دمية عادية بنفس طول أختي وشعرها الأحمر والنمش، حتى أن ثيابها مطابقة.

الشيء الوحيد الغريب كان عيناها. كانت عيون أختي غريبة، زرقاء مع بقع بنية قرب البؤبؤ. كنت أغيظها بأن شكل عينيها يبدو مثل مرحاض يطفو فيه البراز. لم أر يومًا أي أحد بعيون كهذه، لكن الدمية طابقتهما تمامًا. لا أذكر من أعطاها الدمية، لكنني أيا كان فقد استغرق وقتًا ليطلي العيون فهذه الدقة.

فتحت أختي الهدايا، وبدأت هي وأصدقاؤها باللعب ولبس الثياب وغيرها من أعمال الأطفال. لم أرغب أن أعلق في مهمة مجالستهم، فتسللت إلى غرفتي وأغلقت الباب. كنت منغمسا في قراءة قصة مخيفة، ثم سمعت صرير الباب وهو يفتح. بطبيعة الحال، وبالنظر إلى ما كنت أقرأه، جفلت واستدرت على الفور. وجدتُ دمية أختي جالسة بين الباب شبه المغلق وإطار الباب. لربما شعرت بالخوف لو لم تكن هناك عصابة من الأطفال الصغار في المنزل، لكنني متأكد أن أحدهم (أو جميعهم) قد وضعها هناك كمزحة. أنزلت الدمية إلى غرفة المعيشة. لم أرها لبضعة أشهر أخرى، فيما عدا المرات حيث تحملها أختي معها باستمرار وتروي مختلف القصص عنها.