الخميس، 16 يونيو 2022

الوجه الشاحب

 

يا إلهي، أريد أن أخرج هذا من صدري. أحتاج أن تخرج هذه المعرفة من رأسي.

أنا الآن مسكون من قبل كائن، إن كانت هذه الكلمة الصحيحة. شيء مروع. سأسميه فقط الوجه الشاحب.

أتذكر المرة الأولى التي رأيته فيها. كنت بعمر الثانية عشرة، أقضي حاجتي في حمام الفندق الذي أقمت فيه مع عائلتي. لاحظت وميضًا بطرف عيني، ولكني تجاهلته لأنه شيء كثر حدوثه مؤخرًا. ذهبت لأغسل يدي، ورأيته عندما كنت على وشك فتح الصنبور. رأيت انعكاسه في المرآة، ويقف على بعد قدم مني.

مخلوق شبيه بالبشر، يبلغ طوله حوالي خمسة أقدام ونصف، عاري تمامًا ويغطيه جلد دهني. أصابعه طويلة وعظمية. بدا نحيفا وكأنه لم يأكل أبدًا؛ كانت أضلاع صدره بارزة، وظهر كالمريض جدا تحت أنوار مصابيح النيون. لم يكن يتنفس.

لم يكن شكله ما أخافني، بل وجهه. رأس بيضاوي أملس بدا كبيرًا وثقيلًا على رقبته الهزيلة، وله ثقبان أسودان عميقين مكان العيون. حدّق بي. لم يتحرك، ولا حتى عضلة واحدة. لقد وقف جامدا مكانه، وعيونه السوداء تخترقني.

الخميس، 2 يونيو 2022

لا تدع الرجل البارد يدخل

 

راودني حلم الليلة الماضية. من النوع الذي يظهر لك حقيقيًا حتى تستيقظ وتدرك أنك تحلم.

رأيت به أشياء عجيبة، لكن لم يخطر ببالي أبدًا أنها قد تحدث. وحتى الآن لن أقول أنها لم تحدث. لست روحانيًا ولا أفهم هذه الأشياء حقا. أشعر وكأنني كنت في مكان غريب ثم عدت، وأعلم أن شيئًا حدث بالفعل عندما استيقظت.

راودني إحساس غريب عندما خلدت للنوم الليلة الماضية. كلنا نحسّ أحيانا أن أحدا ما يراقبنا، لكن إحساسي تجاوز هذا. شعرت وكأن شخصًا كان معي. المهم أنني استسلمت للنوم في النهاية.

لا أتذكر بداية الحلم. أول ما أتذكره هو أنني أمشي في منزلي. ثم خرجت نحو الطريق. اختفت كل منازل الجيران. كنت على طريق طويل وخالٍ ولم أجد أحدا سواي. لا أتذكر ما كنت أفعله في منزلي قبل هذا. أتذكر فقط إحساسي برغبة قوية في المشي.

لم أشعر بالقلق وأنا أسير في الطريق. كان الجو باردًا ومظلمًا وكنت ضائعاً، لكني لم أكن خائفًا.

لا أعرف كم مضى من الوقت وأنا على هذا الطريق. شعرت أنه زمن طويل، وكأن أياما مرّت عليّ، لكنني لم أشعر بالتعب أبدًا وواصلت مسيري.

تغيّر الطريق بعد فترة. كان مستقيمًا ولا ملامح له، لكنني في النهاية وصلت إلى منعطف ثم مفترق طرق. عندما وصلت إلى المفترق، لم أعد وحيدا. نادى عليّ صوت مألوف من جانب الطريق.

الأحد، 15 مايو 2022

نقوش على البئر

 

تم العثور على هذه التعليمات الغريبة محفورة على الحائط في قاع بئر قديم، في مكان ما في ريف ألمانيا.

في مكان ما في وسط أوروبا، هناك حقل عشبي فارغ. هناك مدخل خشبي على الأرض بين الأعشاب الطويلة، وهو يؤدي لملجأ قديم من العواصف. لكن هذه ليست وجهتك. عليك أن تسكب قطرات من دمك هنا لتصل إلى الفتحة البديلة. ستستيقظ عند حافة حقل، وترى الآن بابًا من الحديد الصدئ. يمكنك الآن دخول البوابة.

ستجد بئرا طويلا وضيقا يمتد عميقا إلى الظلام. يجب أن تنزل على سلم مثبت بالجدار الشمالي، وتبقي عينيك مرفوعتين نحو الفتحة في الأعلى.

إذا نظرت إلى الأسفل نحو الظلام، ثم تعود بنظرك إلى الأعلى، ستجد نفسك أبعد عشر درجات من حيث بدأت. إذا نظرت لأسفل وأدمت النظر، سيصل إلى مسمعك صدى شخص يتسلق السلم، وسترى نسخة فاسدة ومتحللة من نفسك وستجذبك من ساقيك حتى تسقط.

بعد فترة غير محددة؛ ستصل قدماك إلى الأرض. استمر بالنظر إلى الأعلى. إذا نظرت إلى قدميك فلن تجد أي أرض وستقع. عليك الآن اختيار المسار الخاص بك.

الأحد، 8 مايو 2022

عالق بين عالمين

أنا عالق بين عالمين.

لقد عضني أحدهم. التهم اللعين قطعة من ذراعي. ربما لم يعرف الأحمق حتى أنها كانت ذراعًا. ربما رآها على أنها ساق دجاجة أو ما شابه. لكنه نال جزاءه. ضربت رأسه بمعتل كنت قد سرقته.

أصبحت الحياة خطيرة قبل حوالي شهر، واسمحوا لي أن أقول أن الحكاية بدأت بنفس البداية العادية. تفشى مرض وحالوا احتواءه ولكنه انتشر. كل شخص أعرفه أصبح يترنح وكأنه ثمل. ولكن ليس أنا. صممت على محاربته. وأحسنتُ صنعا بهذا حتى الأسبوع الماضي عندما قضم ذاك الوغد ذراعي.

ما زلت صامدا إلى الآن، وأنا نفسي لا أصدق هذا. ولكني أتمنى لو انتهيت من الوجود. أنا أشبههم وأختلف عنهم في نفس الوقت. أعاني من الجوع الذي يعانون منه، لكن أحس بمشاعر الذنب وحب الإنسانية التي تقف حائلا أمام غريزة البقاء بداخلي.

الأحد، 1 مايو 2022

جوليا ليغار

 


قبل بضع سنوات، كنت أرافق أصدقائي وهم يستكشفون الأماكن القديمة التي يُشاع أنها مسكونة. في أحد الأيام، وجدنا أنفسنا في كنيسة إديستو، حيث دُفنت فتاة تُدعى جوليا ليغار في ضريح عائلتها عام 1852 بعد أن ماتت بسبب الدفتيريا.

زعم المارة أنهم سمعوا صراخا قادما من المقبرة خلال الأسبوع الذي تلى موتها، لكنهم لم يحققوا في الأمر. فتحوا باب الضريح بعد خمسة عشر عامًا ليدفنوا فرد آخر من العائلة، وجدوا هيكلها العظمي متكدسًا في الزاوية بجانب الباب. ظهرت خطوط الدم الجافة وكأنها علامة تمثل صراعها الشرس للهروب من القدر.

وصلنا إلى هناك وفكّر أصدقائي بلعب مقلب عليّ. أغلقوا عليّ باب الضريح الحجري الثقيل وتركوني أقضي الليل هنا. أصبحت عالقا وأعجز عن زحزحة الحجر الثقيل. بقيت أكافح للخروج عبثًا لما بدا أنه دهر، تمامًا كما فعلت جوليا قبلي. في النهاية، لم أجد خيارا سوى أن أستسلم للنوم وسط الظلام الدامس.

لم أشعر أبدًا بالخوف من الأماكن المغلقة، لكن الهواء الراكد يجعل التنفس صعبًا. شعرت وكأن حزنًا عارما يضغط على كتفيّ. مع مرور الوقت، تلاشى الغضب بداخلي وحلّ محله الخوف، وفي النهاية تحوّل إلى يأس.

السبت، 23 أبريل 2022

إنه ينتظرك

 

مع اقتراب أبرد ليالي الشتاء، قد تجد نفسك وحيدا في الليل، وتشعر بالعزلة في سريرك الفارغ مع اشتداد ظلام الليل. ترى الظلال المخيفة تتراقص على الحائط. وتسمع نواح الريح وهي تضرب نافذتك. تسمع سيارات الإسعاف من بعيد. أنت وحيد.

لكن لا تخف، فهو ينتظرك.

انتظر حتى يختبئ القمر وراء الغيوم. سيكون منتصف الليل أفضل وقت للقيام بهذا. أغلق عينيك واحبس أنفاسك وأنت تغادر سريرك. افتحهما بمجرد أن تخرج من غرفة نومك. أرتدي ملابسي إذا أردت، لأنك ستغادر منزلك. لا تأخذ معك إلا ما يسَعُه جيبك. ومن ثم، أخرج من المدينة وابتعد قدر ما أمكنك عن الحضارة. في النهاية، سيصبح الهواء ساكنًا، وسيتشكل ضباب كثيف أمامك على الطريق. سيحل الصمت تدريجيا بينما تقترب منه. أدخله بسيارتك. لن يصيبك منه أي ضرر. أعدك.

لا تخف، فهو ينتظرك.

سينقشع الضباب، وسترى فندقا صغيرا ونوره خافت، منعزل وتائه وسط الليل، مثلك تماما. ادخل وستجده خاويا، وستجد مفتاحا صغيرا على طاولة الاستقبال. خذ المفتاح وتجول في الممرات حتى تجد الغرفة الصحيحة. ستحس بشيء داخلك لا يمكن تفسيره عندما تصل إليها، وسيخبرك هذا الإحساس أنها الغرفة الصحيحة. استخدم المفتاح وادخل هذه الغرفة. استلق في السرير.

الجمعة، 1 أبريل 2022

الخوازمية

 

قضيت الليلة الثالثة على التوالي وأنا مكوّم فوق المرحاض بينما ترتجف أحشائي وأنا أتقيّأ كلّ ما أكلته، وأدرك الآن ما الذي يحدث: إنه يحاول تسميمي. لقد حدث هذا بسلاسة ووضوح حتى أكاد أضحك، لكن النوبة التالية من القيء تجبرني على التزام الصمت.

حل الصباح ورميت كل ما في المطبخ، ولففت القمامة ثلاث مرات في ثلاثة أكياس سوداء ودفنتها في عمق برميل القمامة، فأضمن أنها لن تقع في طريق أي عابر سبيل. خرجت من باب العمارة وقطعت نصف الطريق إلى المتجر في الزاوية عندما أدركت شيئا: إنه بلا شك يعلم أين أتسوّق.

اخترت اتّجاها ومشيت، وأنا أتمتّع بنسيم الشتاء البارد الذي يسكّن النار المتقدة في أحشائي. أنعطف في مسارات عشوائية، وأمشي في طرق لا أتبعها عادة، إلى أن أجد دكانا صغيرا ذو اسم غريب. أدخل وأتناول سلة بلاستيكية صغيرة وأملأها بعجالة. آخذ طعاما من علامات لم آكل منها من قبل، علب غريبة من مكونات أجنبية لا أعرفها، وأشياء أخرى لم أفكّر بشرائها يوما. حليب صويا. توفو. أحسّ بمعدتي من الآن وهي تنتظر وجبة غير ملوّثة.

أعدّ الوجبة وأنا أترقب بقلق، أحاول التركيز على التمتع بالروائح وصوت قرقعة الدهن على المقلاة. يبدو الطعام نظيفا، لكن هذا ما حدث مع كل الوجبات السابقة. أحاول إقناع نفسي أن الألم بداخلي ينبع من الخوف والقلق فحسب، ولكنني أعود لأجثم مجددا في الحمّام القذر قبل منتصف الليل، وألقي كل ما طبخته إلى المرحاض الخزفي.

جمعت ما تبقى من طعام في اليوم التالي، وتخلّصت منه بنفس الحرص. تناولت الطعام في الخارج ذلك اليوم، وأضفت دينا جديدا على بطاقة الائتمان في المطاعم على الجانب الآخر من البلدة.