الأربعاء، 1 فبراير 2023

كراسة الطي


 

كنت أحب صنع كراسات الطي في طفولتي، وكانت كل ما أصنعه في صف الفنون. عملت بجد على أحدها، وكان بطول خمسين صفحة تقريبا. رسمت رجلا عصويا بسيطا الشكل يمشي ويدخل الكتاب، ثم يلوّح بيده ويخرج. كنت أتصفحه ما لا يقل عن عشر مرات في اليوم. ثم مللت منه. مثل جميع الأطفال، لم أكن أتسلى بشيء واحد لفترة طويلة. رميته تحت سريري ونسيت أمره.

بعد أشهر قليلة، كنت أنظف غرفتي وأزيل الأوراق من تحت سريري. وجدته وقلبته لأشعر بالحنين للماضي. قلبته مرة أخرى ولاحظت أن الصفحات لم تبهت أو تتسخ على الإطلاق. قلبته للمرة الثالثة. دخل الرجل العصوي الصغير الكتاب ولوح لي بيده لكنه لم يخرج.

الاثنين، 23 يناير 2023

جيف ذهب يسارا

إن كنت تقرأ هذه الرسالة فآنا متأسف لما حل بك. أظن أنك أنت الآخر ابتليت بما أصابني. لقد خدّرك ذاك الوغد المتعجرف ورمى بك في سرداب الموتى.

لا أعلم كم من الناس وقعوا ضحايا لألاعيبه، وربما هناك الكثير، وإلا لما أهدر وقته على هذا. قال أن هذا السرداب عبارة عن متاهة، وأنه نصب الشراك والفخاخ في كل زاوية ومنعطف. ولكنه وعدني أنه ترك طريقا واحدا خاليا، إن كنت محظوظا فسأخرج بسلام.

أنا مجرد طالب فنون أتيت إلى هنا في إجازة. لن أجد المخرج أبدا. ولكني أريد أن أنتقم. سأساعدك في الهرب.

السبت، 14 يناير 2023

جوليا فتاة ذكية

 


كانت جوليا فتاة ذكية. وكانت من الذكاء بأنها أدركت أن والديها ليسا أصحاب قوى خارقة أو علم لا ينتهي.

أدركت ذلك أول مرة عندما شعرت بالخوف. سمعت ضوضاء في غرفتها قادمة من تحت السرير أو من الخزانة.

خرجت جوليا من غرفتها راكضة وهي تبكي "أمي! أبي!"

"ما الخطب عزيزتي؟"

صاحت جوليا: "سمعت صوت وحش".

الخميس، 5 يناير 2023

هنري المجنون


 

كان هنري المجنون رجلا وحيدا يعيش بمفرده في قصر متهالك على أطراف المدينة. انتشرت شائعات حول هذا الرجل الغريب. فمنهم من قال أنه ساحر يسخّر قوى الظلام ليجلب الخراب على جيرانه، وآخرون قالوا أنه طبيب مجنون بمقدوره أن يعيد الحياة إلى الجثث المتعفنة. لا يتعامل معه أي مواطن محترم في المدينة.

ثم حدث في إحدى الأعوام أن انتقلت عائلة جديدة إلى المدينة ومعهم فتاة جميلة تدعى راشيل. جذبت الفتاة انتباه هنري المجنون، وأغدق عليها هدايا نفيسة؛ أكواب من الذهب الخالص، وقلائد من اللؤلؤ، وأصيص به زهور الأقحوان. ولكن رغم هذه الهدايا، وقعت راشيل في حب شخص آخر يدعى جيفري، وهو شاب وسيم عاد للمدينة من الجامعة. قرر الاثنان أن يتزوجا بعد أسبوع واحد من لقائهما، وتركا هنري المجنون في ذهول.

أقام الزوجان حفلة كبيرة وقاما بدعوة كل من في المدينة. كانت راشيل ترقص مع والدها وسمعت صوت الرعد. وفجأة، انفتحت الأبواب وانساب نسيم حاملاً معه رائحة الموت والعفن. كان هنري المجنون يقف في المدخل وعيناه تتقدان غضبا. تبعه ما بدا أنهم أناس موتى وتقدموا إلى الداخل اثنين باثنين. لمعت محاجر عيونهم بنار زرقاء وهم يطوقون الغرفة.

الأحد، 25 ديسمبر 2022

دمية الجورب



منذ زمن بعيد، عاش رجل ثري في قرية صغيرة في أيرلندا. كان يملك جميع الأراضي المحيطة بالقرية ويؤجرها للمزارعين الفقراء بربح جيد. عاش الرجل في أكبر منزل في القرية مع زوجته وابنيه القويين وابنته الصغيرة المريضة.

كان لطيفًا مع جميع أبنائه وعامل زوجته كملكة، ولكنه كان قاسيا ولئيمًا مع الفلاحين. جنى الكثير من المال بفرض إيجارات عالية على القرويين وعامل جميع المستأجرين كما لو أنهم عبيد. إذا تأخر أحد عن سداد إيجاره، فسيطرده من منزله دون أن يمنحه إنذارا أو مهلة.

كره القرويون الرجل الثري واحتقروه هو وأساليبه القاسية. كان يقيم حفلات فخمة ويدعو أصدقائه وعائلته ويعيش مثل ملك، بينما عمل القرويون الفقراء وكدحوا كي يملأ الثري وعائلته بطونهم. لم يسعهم سوى أخذ كفاف يومهم من الخبز والبطاطا.

ثم حدثت آفة البطاطس في إحدى الأعوام وتأثرت جميع المحاصيل. حل الشتاء وأشرف القرويون على الموت جوعا. لم يأبه الثري لمعاناة القرويين وردّ على الأزمة بأن رفع الإيجارات. وكأن أن هذا لم يكن كافيًا، أقام حفلة في عيد الميلاد لأصدقائه وعائلته، حيث استمتعوا بمأدبة ضخمة وشربوا نخبا سخروا فيه من محنة المستأجرين الجائعين.

الاثنين، 12 ديسمبر 2022

مهرج في منتصف الليل

 


أراد رجل أن يستأجر مهرجا لحفلة عيد ميلاد ابنه. سأل زملاءه في العمل وأعطاه أحدهم رقم مهرج يوصي به الجميع. اتصل الرجل بالرقم واتفق مع المهرج أن يأتي يوم السبت ليرفّه عن الأطفال في الحفلة.

ولكن عندما حل السبت، كانت السماء تمطر ولم يأتي المهرج. ملّ الأطفال من الانتظار وعادوا لمنازلهم مبكراً. خاب أمل ابنه بشدة وركض نحو غرفة نومه والدموع تسيل منه بعد أن فسدت حفلته. واصل الأب الاتصال برقم المهرج لكنه لم يجب.

"لماذا أوصى زميلي بهذا المهرج عديم النفع؟"، قال الرجل لنفسه بمرارة.

في تلك الليلة، استلقى الرجل وزوجته على السرير وهما مرهقان. كانت الحفلة كارثة وبقيا غاضبين من المهرج الذي خذلهما.

سألته زوجته "في أي وقت طلبت منه أن يأتي؟"

أجاب: "قلت له بوضوح يوم السبت الساعة الثانية عشرة".

ردّت زوجته: "ربما اعتقد أن الموعد هو الثانية عشرة ليلاً".

الأحد، 20 نوفمبر 2022

أنت لست خائفا، صحيح؟


 

أنت مستلقٍ على سريرك. لا يفصل بينك وبين الصمت المطبق سوى أزيز مكيف الهواء الرتيب.

هذا الصمت يحل عليك ثقيلا، وكأنه يعادل الضوضاء العالية. يكون الصمت مطبقا فيمكنك سماع سقوط الدبوس من على بعد ثلاث غرف. تسمع نبضات قلبك عالية كالطبل، ويجعلك تسدّ أذنك بوسادتك.

أزيز المكيف الباهت هو الشيء الوحيد الذي تسمعه، ودائما يسري قرب أذنيك دون أن تلحظ وجوده، إلى أن يصبح الصوت الوحيد في الغرفة. ترتاح لوجوده. ولكن فجأة يتوقف المكيف، وتعود درجة الحرارة في غرفتك إلى الدرجة العادية، ويتوقف معه الأزيز. لسوء حظك فأنت لم تنم بعد، ويعود الصمت من جديد.

ربما ترتاح لأنك تعرف أن بإمكانك سماع أي شيء في محيطك، ما يعوّض عنك انعدام الرؤية في الظلام. لكنك لست مرتاحا. هذه البيئة بالذات تضعك أمام الهاوية وتجعل نبض قلبك يتسارع ويجعلك متوترا. إن لم تكن وحيدا، ستدرك ذلك على الفور.

ولكنك تعيش لوحدك، صحيح؟ أنت مستلقٍ هنا وعيناك مغمضتان منذ نحو ربع ساعة، وتأكدت من كل شيء في غرفتك قبل أن تطفئ النور. أنت ذكي.