استيقظت وأنا غارق في عرقي مرة أخرى. أيقظني الضجيج مجددا. هذا الجرس اللعين. لا أصدق أنه وقت العشاء. ذهب أحد الحراس إلى باب زنزانتي وفتحه. «وقت العشاء أيها الوغد المجنون. إنه المفضل لديك».
بلعت ريقي. أدرك من لهجته أنه لا بد أن يكون الطبق الفظيع المكون من البطاطس مع لحم البقر المشوي. عادةً ما أتحرق لهذه الوجبة، لكن ليس هنا، فهنا طعمها مثل ورق الصنفرة والتراب. دخل الحارس إلى زنزانتي، وأمسك بمؤخرة السترة التي تقيّدني، وجرّني إلى قاعة الطعام. سأضطر إلى تحمل ذلك، فهذا ليس أسوأ ما يقلقني.
إذا لم تصلكم الفكرة حتى الآن، فأنا أقضي الآن أيامي داخل مصح عقلي. لكنني هنا بسبب ظروف ظالمة. أنا لم أقتل عائلتي. بل رأس الحصان هو من فعلها.
هذا هو اللقب الذي أطلقه عليه.
تناولتُ طعامي وجلست مع باقي الرفاق. خلع الحارس ستراتنا جميعا. كنت أول من تكلم كالعادة. «هل سمعتم تلك الأصوات في الليل؟»
«هل تقصد ثرثرة المرضى؟ نعم، أنا واثق أننا سمعناها جميعا. حتى أن بعضنا ساهم فيها، أليس كذلك يا إريك؟» كان ذلك جيرالد. إنه يقبع هنا لأنه اغتصب وقتل عشر مومسات. ادعى الجنون أثناء المحاكمة. وغد مريض.
حاولتُ تجاهله عندما ضرب إريك بمرفقه في خصره، ما جعل الأخير يصرخ. طعنتُ قطعة من اللحم بالشوكة، ووضعتها في فمي. جفلتُ من طعمها المريع. «كلا، ليس هذا، بل الأصوات الأخرى، تلك التي يصدرها...» أعتقد أنني سمعتُ جيرالد يقسم بصوت خافت أنه يعرف أين سيسير الكلام. «سمعتها مرة أخرى، أقسم، أنفاسه في الممر...»
ضرب جيرالد بقبضته على الطاولة. «توقف عن هذا الكلام! أنت مجنون مثلنا جميعا. انظر حولك لترى أين أنت!» كنت على استعداد للرد بإهانة لفظية، لكنني عدلت عن ذلك. لا جدوى من هذا، إذ بإمكانه ضربي بسهولة، كما أنني تساءلت في أعماقي عما إذا كان محقا. أنا أعيش هنا منذ فترة، ماذا لو كنت مجنونًا حقًا؟ كلا، لا يجب أن أفكر بهذه الطريقة، رأس الحصان حقيقي وهو قتل عائلتي، هذا حقيقي. بدأت أستمع إلى الهمسات من حولي، وأحاديث العقول المحطمة، لكن لم يمض وقت قبل أن يصرخ جيرالد. «لكن مهلاً، إذا كان الإيمان بوحشك الخيالي يساعدك على النوم ليلًا...» نظرت إليه ورددت عليه بغضب. «كلا إنه لا يساعد.. أنا نادراً ما أنام». ضحك جيرالد. يا له من أحمق.
أنا لا ألومه على عدم تصديقي، لكن ليس عليه أن يسخر من الموقف.
«الآن اصمت وتناول طعامك. وتوقف عن سرد هذه القصص، فقد تخيف الأطفال الآخرين».
«توقف عن نذالتك، لقد كان هذا حقيقيًا». تنحى عدد من الآخرين جانبا، فقد كانوا يكرهون هذه المشاحنات. مظهرنا يبدو سيئًا، حتى المجانين ظنوا أننا مجانين. حتى أننا كدنا أنا وجيرالد أن نقتل بعضنا ذات مرة، لكن فترة في الحبس الانفرادي أصلحت الأمور بيننا.
«هل لديك دليل؟ ربما ترك وراءه حافرًا أو ما شابه!» انفجر جيرالد ضحكا. بدأ بلكز الرجل المجاور له الذي أطلق ضحكة مزيفة. «بدون دليل، أنت مذنب مثلي تمامًا». ابتعد عن الطاولة ومشى بجانب الحارس. «خذني إلى غرفتي، الآخرون يسخرون من الأصوات في رأسي». صنع وجهًا عابسا ليسخر مني. أعاد الحارس سترة جيرالد إلى مكانها على جسده. «أراك غدًا أيها المختل!" لوح لي بينما دفعه الحارس عبر الباب، وبهذا انتهى الأمر. واصلتُ تناول الطعام وتجاذبت أطراف الحديث مع الآخرين. على الأقل، محادثات عادية حسب المعايير هنا.
إطفاء الأنوار. هذا أكثر ما أكرهه في الحياة هنا. الظلام مخيف أصلا، لكن صرخات وضحكات المجانين تضيف إلى تراكمات الخوف بداخلي وتمنعني من النوم. لكن هذه الليلة هادئة على غير العادة، كما لو أنهم يعرفون أن هناك خطبا ما. أتمكن من إغلاق عيني، وأنجرف في عالم الأحلام.
أجلس على طاولة النزهة مع زوجتي وطفلي. إنه الصيف، ونحن سعداء. كان يومًا جميلًا، الشمس مشرقة والأزهار متفتحة، وكانت الغابة مفعمة بالحيوية والصخب. أتفقد الشواء، رائحة الهامبرغر والنقانق توحي لي أنها ستجهز عما قريب، ابني يهتف على أمه ويدعوها للعب معه. تضحك وتقوم من مكانها. يتبادلان الكرة عند حافة الغابة. عندها أدركت أن الغابة أصبحت صامتة، لكني لم أعر ذلك اهتماما. مرت بضع دقائق أخرى قبل أن أسمع صراخ زوجتي المرعب وتهذي بأن شيئا أخذ طفلنا إلى الغابة. دخلت زوجتي الغابة وأسرعتُ بالركض وراءها، وصرختُ عليها لتتوقف ولكن بلا جدوى. ضربت الفروع وجهي وأنا أتقدم داخل الغابة التي بدت مظلمة بشكل غريب. أسمع زوجتي تصرخ مرة أخرى. أركض بأقصى سرعتي لأرى كائنًا مخيفًا يمزق لحمها من جسدها. رأس الحصان. يدير رأسه نحوي وأنا أصرخ في عذاب. يهرع نحوي فأفقد الوعي.
استيقظت من نومي، وكان تنفسي ثقيلاً وجسدي يتصبب عرقاً. أحسست بالصمت المطبق. ثم يبدأ الضجيج. احتكاك المعدن بالمعدن. كان الصوت عالي النبرة، مثل حك الأظافر على السبورة، لكنه أسوأ. يقترب الصوت مع مرور الثواني. لففت نفسي بملاءتي الرقيقة، على أمل أن يحميني من الشيء الذي يتربص بالخارج. قرصت ذراعي على أمل أن أستيقظ من هذا الكابوس. لم أنجح.
الصوت في الممر الآن. الصدى لا يُحتمل. أسمع الآخرين يستيقظون ويشكون، وبعضهم يصرخون، والبعض الآخر مذعورون. أقف وأقترب من بابي وأرنو من النافذة الزجاجية أعلى الباب، لا أرى سوى الظلام. ثم يومض ضوء وحيد بيني وبين زنزانة روجر. توقف صوت الحك. أسمع أنفاسا ثقيلة وكأنها تصدر من حيوان بري. ظهر شيء ما في الضوء وأدار ظهره نحوي، لكنه كان يتحرك بسرعة كبيرة جدًا فلا أقدر على تمييز شكله، لكني أعرف ما هو. كنت أسمع الرجل المتدين في الزنزانة المجاورة لي وهو يصلي. بإمكانه رؤيته أيضًا. كنت على يقين أنني لست مجنونًا. رفع الوحش يده وحطم باب روجر. يصرخ من الرعب ويتوسل للنجدة لكن كلامه غلب عليه صوت غرغرة الوحش. دخل غرفته وانطفأ الضوء وتوقف الصراخ. أسمع أصوات تمزق اللحم وتناثر الدم على الجدران وتكسر العظام، وكذلك الأصوات الرهيبة التي يصدرها الوحش.
وقفت عند بابي لدقيقة قبل أن يعاود الوحش ظهوره. عاد الضوء مرة أخرى، ورأيته بكامل شكله. لم أجرؤ على التنفس وأنا أتأمل منظره الرهيب. كان حقًا شيئًا من عالم الكوابيس. مفزع ومستحيل وكان أرهب شيء رأيته في حياتي. حاولت عيناي فهم ما أمامي، فلا ينبغي لشيء مثل هذا أن يكون موجودا، لكنني سأحاول أن أنقل لكم ما شهدته عيني.
بلغ ارتفاعه حوالي عشرة أقدام، وجلده بني مُحمرّ وداكن. وكان هذا الشيء الطبيعي في مظهره. توجد على رقبته جمجمة حصان له عرف أسود رقيق يتدلى من قاعدة الجمجمة. أرى صدره يرتفع وينخفض مع كل نفس، بينما يضغط قفصه الصدري على الجلد. بدا وكأنه يعاني سوء التغذية. على ظهره ورم كبير كالسنام نبتت منه أربعة أطراف ملتوية. انتهى الطرف الأول بيد بها مخالب. والثاني يد بها ثلاثة أصابع، وانتهى إحداها بنصل كبير بحجم الساطور؛ بينما انتهى الاثنان الآخران بمنجلين ملتوين. لم يكن ذراعاه الحقيقيين أفضل شكلا. انتهى أحدهما بثلاثة أصابع، مثل ذراع الظهر، لكن كل إصبع انتهى بشفرات حادة، وكان يحمل رأس روجر. أما الذراع الأخرى فكانت منحنية للخلف، وانتهت بنصل طوله حوالي عشرة أقدام وراءه، وكان يجره على الأرض، ما فسر لي صوت الاحتكاك عندما يسير الوحش. وانتصبت سيقانه تحت خصره النحيل. أربع أرجل تبرز كل واحدة منها من جوانب جسده الأربعة. كانت نحيفة مثل أرجل العنكبوت، وبطول أربعة أقدام على الأقل. وفي أسفل كل ساق رأيت ما يشبه الأيدي البشرية. إن قلت أنني مرعوب من هذا المخلوق فانا لا أوفي إحساسي حقه. أقسم أنني كنت أبكي وقتها.
ثم استدار ورآني. حدقت في وجهه مباشرة. بدا أن عينيه تدوران في رأسه، وكان ينظر إليّ مباشرة. لم أقدر على منع نفسي من البكاء. وكأنه تعرف عليّ منذ تلك الليلة. حدقت لبضع لحظات قبل أن يطلق هديرًا طويلًا مثل آلة. رفع ذراعه وأشار نحوي قبل أن يسير في الممر ويجر ذراعه خلفه. آخر شيء رأيته قبل أن يغمى علي، كان جلد رودجر المسلوخ، وكذلك ما يشبه جلد جيرالد ملفوفا حول ذراع الوحش. سمعت إطلاق نار، وبعض الحراس يصرخون. سمعت السجناء يصرخون. سمعت الوحش يزأر. وبعد ذلك لم أسمع شيئا.
عندما استيقظت، سمعت رنين صفارات الإنذار وصراخ الضباط في كل مكان، وتم إخلاء المصح. رأسي كان يؤلمني بشدة، ولا بد أنني سقطت على الأرض. وقبل أن أتمكن من فهم ما حدث، تم وضعنا جميعًا تحت حجز الشرطة. هذا يجعلني أشعر بأمان أكبر، لكنني أعلم أن أي ضابط يعلق معي لن ينجو. ظهرت علامة سوداء على صدري، تشبه تلك التي كانت لدى روجر قبل وفاته وأعرف ماذا تعني. سيعود رأس الحصان وسيُكمل ما بدأه.

اين هي القناه الرئسيه انا ايفاكس من قناه قناه كريبي باستا
ردحذف